المواطن

رئيس مجلسي الإدارة والتحرير
مسعد شاهين

حق المواطن

"بوابة المواطن" ترصد معاناة "أم".. تتقاضى 450 جنيه من الحكومة.. والزمن لا يرحمها

الثلاثاء 13/مارس/2018 - 09:15 م
السيدة بخيتة بائعة
السيدة بخيتة بائعة الجرجير
طباعة
أيمن الجرادى
كنت كعادتي أسير في الطرقات، ما بين شوارع رئيسية وأخرى زقاق فرعية، وفي لحظة وقعت عيني على سيدة تفترش الطريق وأمامها مقطف من الزعف يملؤه الخضراوات من الباذنجان والجرجير، لتبتاع منه، تنظر أعينها للمارة وكأنها تنادي بصوت خفي "مش عايز جرجير يا أستاذ"، تتمنى أن يتجه نحوها قدم المارة من المواطنين حتى يبتاعوا ما لديها من بضائع ضعيفة، لا يمكن من وجهة نظري أن ما تتحصل عليه منها أن يفي بجميع مستلزمات بيتها الضعيف الذي لا أراه وتدل هي على ملامحه البسيطة.

فيه ايه يا ولدى معملتش حاجة..
اقتربت منها خلسة والتقطت بعض الصور، فكانت نظرتها كأنها تقول "فيه اية يا ولدى معملتش حاجة، أبيع في حالي"، اقتربت أكثر وقلت لها "ما تخافيش يا أمي، أنا مش تبع البلدية ولا المجلس متقلقيش، أنا بس شايفك ست جدعه فعشان كده حبيت أخد صورة ليكي"، ردت قائلة "ابعدنا عن الصور يا ولدى، خليها تعدي مستورة"، شجعني ذلك أن ألح أكثر وأكثر أن اقترب منها، أحسست في كلامها بحزن يرجع لأعماق الزمان، أو كما يشبهه الآخرون لعبق التاريخ، وكان الكلمة تخرج منها وترسم ملامح زمن اليم، تحملته على إعتاقها لتقضى أيامها وراء هدف بسيط لغيرها ولكنه لها هو الأسمى من بين الدنيا وما فيها، وبشغفي أردت أن أبحث عن، ولكنها كانت حريصة كل الحرص في الحديث معي، لا أعلم في بادئ الأمر لماذا، ولكن في نهاية الأمر اكتشفت أنه الخجل والبساطة والضعف والانكسار، مما يجعلها تهرب من أعين الناس وخاصة من يعرفها.

توفى زوجها بالفشل الكلوى وترك 3 أبناء فى رقبتها..
هي سيدة تدعى "بخيتة.م" 51 عاما، تعيش بإحدى قرى مركز ومدينة طهطا، وأم لثلاثة أبناء أيتام، أحدهم في الجامعة وولد بالثانوية وبنت أخرى بالمرحلة الإعدادية، توفي والدهم وهي في زهرة عمرها، كانت آنذاك في العقد الرابع من العمر، انتقل إلى ربة بسبب مرض شديد "فشل كلوي" تاركا لها 3 أبناء يحتاجون جبل يتكئون عليه، لم يكن لديه إلا ذراعه يقتات منه، ولكنه خانه في أواخر عمره بسبب مرضه الذي لم يستطع أن يتحمل منه العمل، ويسكن في بيت بسيط لا يتعدى 70 متر في الأراضي الزراعية.

تحملت قسوة الزمن وذل الناس من أجل أبنائي..
قسوة الزمن عليها وكثرة أعباء أبنائها اضطرها أن تخرج للعمل بين الناس، فتارة تعمل أجيرة باليومية تحمل المحاصيل، وتارة تخدم بين المواشي، وتارة تعمل خادمة في منازل الجيران، وتارة وتارة، وتارة على حد قولها، وكل ذلك تتحمل فيه من أجل أبنائها الثلاثة قسوة الزمن والذل والهوان من الناس الذين لا يرحمون مقابل العمل لديهم للحصول على جنيهات لا تكفي إلا القليل من متطلبات المدارس والمأكل والمشرب.

هدفي تعليم أبنائي وسترهم..
أكدت في نهاية حديثها معي، والذي رفضت فيه أن يذاع إلا ما لا يدل عليها، بسبب كثيرا ما ذكرت سابقا، بالإضافة إلى بعض العادات والتقاليد التي مازالت ترتسم على ملامحها الطيبة، أن هدفها في حياتها أن تعلم أبنائها الثلاثة وتستر ابنتيها وتزوجهم، حتى تطمئن عليهم، وأن تعلمهم الصح من الغلط، بما أمر الله ورسوله.

اتقاضى 450 جنيه من الحكومة..
وقالت أيضًا إنها تتقاضى من برنامج "كرامة وتكافل" ما يقارب 450 جنيه، بالإضافة إلى ما تقتاته من عمل لبيع الخضراوات التي تتحصل عليها من حقول الفلاحين والمزارعين بالعديد من القرى، والذي يساعدها في سد متطلبات المنزل، من مأكل ومشرب وغذاء وكساء ودواء، وغيرة.

الأم المثالية دي في التلفزيون يا ولدي أنا مش بتاعت كده..
سألتها قائلاً: ماذا تعلمين عن الأم المثالية؟ أجابت وفى وسط تعجب وكأني أوقعت عليها كلمات ساخطة "مين" قلت لها الأم المثالية، قالت "بتاعت التلفزيون"، قلت لها "لا دى مسابقة بيقدموا فيها بعض الستات اللي زيك شقيوا وتعبوا وربوا أولادهم وعلموهم، وبتتكرم من المسئولين"، قالت "يا ولدي أنا مش بتاعت الحاجات دي، أنا أصحى الصبح أجيب الخضار إن كان جرجير ولا بقدونس ولا باذنجان ولا فلفل أي كان، من الغيطان وأجي أبيعه في السوق، وأروح أصلي وأشوف عيالي وحاجاتهم، وممكن أروح أجيب الخضار من عشية من الغيطان عشان الندى والمية في الصبح ساعات مع تكون باردة قوى وتتعبني وتبلل هدومي".

كرموا هؤلاء ولا تكرموا هؤلاء..
حقا إنها الأم المثالية التي لا يُنظر إليها المسئولين، والتى يجعلها حيائها، وقوة إيمانها عن الابتعاد عن الأنظار، وتتلعثم من كثرة آدابها في الحديث حتى مع الزبائن الذين يقتاتون منها، هي حقا من يجب أن يتكرم أمثالها، لا يجب أن نكرم أمهات في مثل حالها ربت وعلمت ولكن حالها ميسور، ربت وعلمت ولكنها مرفهة ترتدي البنطال والملابس الثمينة، بل كرموا مثل هؤلاء، ولكن في اعتقادي الضعيف أنهم هم من يبتعدون عن التكريم والأضواء، لأنهم يسعون لأمور ارقي من التكريم ذاته.
"بوابة المواطن" ترصد معاناة "أم".. تتقاضى 450 جنيه من الحكومة.. والزمن لا يرحمها
"بوابة المواطن" ترصد معاناة "أم".. تتقاضى 450 جنيه من الحكومة.. والزمن لا يرحمها
"بوابة المواطن" ترصد معاناة "أم".. تتقاضى 450 جنيه من الحكومة.. والزمن لا يرحمها

إرسل لصديق

ads

تصويت

هل تعتقد أن مشروعات الإسكان الاجتماعي الجديدة ستقضى على أزمة السكن عند الشباب؟

هل تعتقد أن مشروعات الإسكان الاجتماعي الجديدة ستقضى على أزمة السكن عند الشباب؟
ads
ads
ads

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر

ads
ads
ads
ads
ads
ads