الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي

صور .. عن أوجاع الزمان التي قهرها "عم سعيد" بأجمل ابتسامة

237
عم سعيد
عم سعيد

تنحنى العظام من شدة قامتها ويبقى الهرم هو الشاهد الوحيد على أن الشباب لا يدوم، فالإنسان منذ ولادته إلى وفاته لا يضع فى حساباته أرذل العمر ، فما بين الطفولة والشباب يكون التهور هو المسئول الوحيد إلا من رحم ربى، فنحن نولد عاجزين لا نستطيع المشي ولا نستطيع الكلام ولا نستطيع إطعام أنفسنا، ولا نستطيع حتى أن نسدد الضرائب عن أنفسنا.



حدودك مهمة لأن عليك في نهاية المطاف أن تعي أن عمرك على كوكبنا هذا محدود، فمثلما استلطافك لبعض الأشخاص لا يحتم عليك البقاء معهم ، وكذلك العمر فمراحل الشباب لا تبقى أبد الدهر ، حري بك أن تقضيه في الأمور الأهم فى حياتك ، وأن تعمل ليوم لا تستطيع فيه شد قامتك إلى نهايتها . 

وما بين الطفولة والشيخوخة جاذبية غريبة وتشابه عجيب كلاهما قريب من هذا العالم المجهول الذى جئنا منه وسنعود اليه وكلاهما قليل التقدير للحياة يكاد لا يحفل بها هذا عن جهل بها وذاك عن علم وتجربة هذا يبسم لها ابتسام الطرب والأمل والفرح وذاك يبتسم لها ابتسام السخر واليأس والألم، وكثيرا مانرى فى خلق الشيخ مايقربه من الطفوله كأنما الحلقة قد تمت وعادت الى مبدئها من جديد وكثيرا مايتصادق الشيخ والطفل صداقة حلوة طاهرة عميقة.




عم سعيد، شاخ عمره وتقوس ظهره ، من شدة قسوة الزمن عليه ، تركه أولاده ، أو لعله هو من تركهم بعدما خاف أن يكون حمل زائد علي ظهورهم، فهو لم يضع الزمن فى حساباته ولم يشرى من الزمن إلا قسوته وبعدما ضاع العمر ، أصبح يتسول على الطرقات على السائرين يمدوا إليه يد الرحمة ، وتكون قلوبهم أرحم من قلوب أولاده ، والذى لا يعلم بشأنهم شيئاً.

وبين دموع عم سعيد التى انهالت بمجرد أن سألناه عن قصته قال:" أنا يابنتى راجل على باب الله، يمكن وأنا فى شبابى كنت فاكر إن مفيش حاجة إسمها السن، ضحكت كتير ولعبت كتير، وكأن الشباب دايم وعمره ماهينتهى، وبضحكة مريرة جار الزمن عليها ،أكمل عم سعيد :" ربنا العالم بحالى يابنتى ، أنا عمرى ما افتريت على حد ، وفى عزى وجعى زمان ضحكتى كانت بتهز الكون، لدرجة إن اصحابى افتكروا إن دنيتى خالية من المشاكل، اشتغلت كتير وجريت كتير ، بس عمرى ماعملت حساب الزمن ، وعمرى ما حوشت قرش للزمن.

وبسؤاله عن أولاده ، سرحت نظراته هائمة فى ذكريات لا حصر لها، يملؤها ضحكات أولاده ، وعاد من ذكرياته وقال :" مش عارف عنهم حاجة ، خوفت أكون حمل تقيل عليهم ، وهما فلوس شغلهم ، كلها رايحة على مصاريفهم، إزاى يعنى أعيش معاهم وأنا حمل مرضى تقيل ، الواحد برده يابنتى مهما كان لازم يراعى اللى حواليه، وأنا طول عمرى بخاف أكون هم على قلب حد.

وهنا بكينا نحن وضحك عم سعيد ، ذلك الرجل ذو الثمانين عاماً، والذى صاغ قصته بدمائه العطرة ، وبشعيراته البيضاء التى وإن دلت فإنها تدل على عمر ضاع ، وبتلك الضحكات الشيقة والتى تفتح باب الأمل للحياة قال عم سعيد :" إوعوا ياولادى تأمنو غدر الزمن، اعملو كل حاجة نفسكم فيها ، وإعملو كمان حساب الزمن ، عشان محدش فيكم يقف وقفتى دى ويمد إيده ويستنى جنيه يفطر بيه". 




تم نسخ الرابط