المواطن

رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
مسعد شاهين

«تحليل إخباري»| ماذا يعني «مركز حرب جوي» سعودي في المنطقة الشرقية

الأحد 17/مارس/2019 - 11:59 ص
المواطن
د. أحمد التلاوي
طباعة
أعلنت المملكة العربية السعودية، الأحد، 17 مارس 2019م، عن إنشاء مركز حرب جوي في المنطقة الشرقية للمملكة.

وفي حقيقة الأمر؛ فإن هذا الخبر ليس بالخبر العسكري بالمعنى التقني الذي يمكن معه أن يكون مجرد حدث ضمن أنشطة القوات المسلحة السعودية المعتادة؛ حيث هو على أكبر قدر من الأهمية فيما يخص الموقف الإستراتيجي المتوتر من الأصل في الشرق الأوسط بالكامل.

«مركز حرب جوي» سعودي في المنطقة الشرقية
ويمكن فهم ذلك من خلال لفت الأنظار إلى بعض الأمور المتعلقة بالحدث، وبالموقع الجيو سياسي الذي تموضع فيه الحدث بحسب ما تعلمنا من أساتذة الإستراتيجية والعلوم العسكرية المصرية، في أكاديمية ناصر وغيرها من مراكز العلم هذه.

أولًا، فإنه من المعروف أن إنشاء مركز حرب جوي؛ يعني مجموعة من الأمور في المجال التقني العسكري المتخصص، منها أنه سوف يتم إنشاء منظومات رصد وتتبُّع واستطلاع، ومنظومات تعامل؛ أي نشر منظومات صواريخ دفاع جوي، وأخرى لصواريخ «أرض - أرض» هجومية.

كما يتضمن مصطلح «مركز حرب جوي»، نشر مقاتلات اعتراضية وقاصفات أرضية، ومنظومات أخرى للحرب الإلكترونية للتشويش على المقاتلات والصواريخ المعادية، وغير ذلك من متطلبات تشمل أمور إنشائية ولوجستية أخرى، مثل قواعد عسكرية وأنظمة اتصالات وغير ذلك.

إذًا، نحن أمام حدث كبير بالمقاييس العسكرية.

ننتقل إلى المكان الذي تموضع فيه الحدث، وهو المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية.

أولًا؛ تضم هذه المنطقة أهم حقول النفط في المملكة، وهي التي تضم الاحتياطات الأهم من الزيت الخام على مستوى العالم.

ويكفي في هذا الإطار، أن نشير إلى أنه من بين حقول النفط الموجودة في هذه المنطقة، حقلا «الغوار» و"القطيف»، وتديرهما شركة «أرامكو» السعودية بالكامل، ويبلغ إنتاج الأول، الذي يُعدُّ الأكبر في العالم، 4 ملايين برميل نفط في اليوم، واحتياطي يُقدَّر بمائة مليار برميل، والثاني يُنتج 800 ألف برميل من النفط الخام يوميًّا.

إذًا، هذه المنطقة، من بين أهم المناطق ذات البُعد الإستراتيجي في العالم، لذلك وقعت في صُلب مخططات أطراف إقليمية ودولية تستهدف تفكيك المملكة العربية السعودية، ضمن مخطط تفكيك المركزيات الكبيرة في العالم العربي والإسلامي، وتقوده دول المحور الأنجلو ساكسوني، أي بريطانيا والولايات المتحدة.

الدور الإيراني في تأسيس «مركز حرب جوي» سعودي في المنطقة الشرقية
في الإقليم؛ تلعب إيران «الثورية» دور مخلب القط في هذا الصدد.

وعلاقة إيران بالموضوع تكمن في نقطة خطيرة، وهي أن المنطقة الشرقية في المملكة، تضم أكبر تجمعًا شيعيًّا في السعودية.

وهذه التجمعات الشيعية - التي لا تتوافر عنها إحصاءات رسمية دقيقة - من نوعية معينة من التجمعات الشيعية على مستوى المرجعية أو الأصل العرقي.

فشيعة المنطقة الشرقية السعودية من أتباع المذهب الجعفري الإثنا عشري، ويتبعون مرجعية آية الله علي السيستاني، الذي يقود مدرسة «النجف» جنوب العراق، ولكن بعضهم من مدرسة آية الله الصادي الشيرازي، وهي مدرسة أصولية، لا تعتمد أية مرجعية للانتماء سوى الانتماء للمذهب.

الأمر الآخر، أن شيعة المنطقة الشرقية السعودية، كما غالبية شيعة الخليج العربي؛ من أصول فارسية، وليسوا عربًا، بخلاف شيعة المدينة المنورة والمنطقة الجنوبية للمملكة العربية السعودية.

والتاريخ القريب يخبرنا عن حالات عديدة عملت فيها إيران على حشد شيعة المنطقة الشرقية الغنية بالنفط من أجل الوصول إلى مرحلة إخراجها من تحت سيطرة الحكومة المركزية السعودية في الرياض.

ومن بين أهم هذه المحاولات، أحداث «العوامية» و"القطيف»، التي كانت متأثرة بنمط احتجاجات ما يُعرَف بـ"الربيع العربي»؛ حيث اندلعت سلسلة متواترة زمنيًّا من المظاهرات والاحتجاجات، تحولت إلى اشتباكات وأعمال عنف وشغب بين متظاهرين شيعة، وبين قوات الأمن السعودية، وقع فيها قتلى من الطرفَيْن، ومن المواطنين العاديين، مع اعتداءات على مقار بنوك وشركات ومقار أمنية.

وهذه الأحداث هي التي أعدِم فيها رجل الدين الشيعي، نمر باقر النمر، في 2 يناير 2016م، وقادت إلى توتر غير مسبوق بين السعودية وإيران، قُطِعَت على إثرها العلاقات الدبلوماسية بين البلدَيْن بعد الاعتداء على الممثليات السعودية في طهران ومشهد.

ولكن الأمر لا يقف عند إيران؛ حيث قلنا إن إيران إنما هي «مخلب قط» لقوى استعمارية أخرى، سعت إلى تطبيق المرحلة الثانية من اتفاقية «سايكس - بيكو»، والتي ما يُعرَف بـ"ثورات الربيع العربي»، واحدة من تجلياتها.

ففي العالم 1982م، نشر إسرائيل شاحاك، وهو مؤرخ إسرائيلي معادٍ للصهيونية، خريطة مهمة للشرق الأوسط، فيه دول المنطقة المركزية مقسَّمة إلى دويلات صغيرة، وفيها المملكة العربية السعودية مقطَّعة الأوصال إلى خمس دويلات، من بينها المنطقة الشرقية.

وفصل المنطقة الشرقية الغنية بالنفط عن نجد والحجاز، والمناطق الجنوبية للمملكة؛ ينزع أهم أسباب الثروة عن خطط التنمية في هذه المناطق، مما يعني عودتها إلى الحالة التي كانت عليها، قبل توحيد المناطق الداخلية لشبه الجزيرة العربية على يد الملك عبد العزيز آل سعود في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين.

دور التمدد التركي وخيانة قطر في تأسيس «مركز حرب جوي» سعودي في المنطقة الشرقية
وهنا يمكن، بل يجب الربط بين ما جرى في السنوات الأخيرة من تمدد النفوذ التركي كذلك في المنطقة، من خلال قطر على وجه الخصوص، وبين الإجراءات السعودية الأخيرة في المنطقة الشرقية؛ حيث من المعروف أن تركيا وقطر، مع جماعة الإخوان الإرهابية، من بين أهم أدوات الغرب في تنفيذ خططه التفكيكية في منطقتنا العربية والشرق الأوسطية.

وهنا تعود إيران لواجهة الحديث في ظل الخيانة القطرية للمملكة، بتعاون الدوحة مع طهران ضد المصالح السعودية، سواء فيما يخص موضوع شيعة الخليج، في البحرين، وفي المنطقة الشرقية السعودية، أو في اليمن، من خلال دور قطري أسود.

وكان من بين تضاعيف هذا الدور، وبمعلومات استخبارية مباشرة؛ مقتل الرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح، على يد عصابات الحوثيين الموالية لإيران في نهايات العام 2017م، في لحظة كان صالح فيها يحاول إنهاء الحرب في اليمن، بالتعاون مع الرياض ضد ذيل الأفعى الإيرانية هناك.

ومن هنا نفهم سبب غلق المملكة العربية السعودية للحدود البرية مع قطر، عند منطقة «سلوى»، وأسباب اعتزام المملكة حفر قناة مائية في تلك المنطقة؛ حيث كانت الحدود مجالاً مهمًّا لتهريب السلاح الإيراني والعناصر التخريبية من خلال قطر، إلى المنطقة الشرقية السعودية.

وبمراجعة سجل العمليات الإرهابية في المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة؛ سوف نجد اختفاء تقريبًا هذه النوعية من العمليات بعد غلق الحدود البرية مع قطر منذ يونيو 2017م.
....
....
تلك كانت بعض معالم الموقف المرتبط بهذا الحدث المهم؛ تأسيس «مركز حرب جوي» في المنطقة الشرقية السعودية؛ حيث إن الخطوة من صميم تحصين المملكة لأمنها القومي في خاصرة تُعتبر هي الأضعف، من بين نقاط الأمن القومي السعودي.

طالع أيضًا:

هل توافق على اجراء تحاليل عشوائية للمخدرات؟

هل توافق على اجراء تحاليل عشوائية للمخدرات؟
ads