الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي

تدخل مصر انتخابات برلمان 2025 وهي تقف على أعتاب مرحلة حاسمة من مسيرتها التنموية والسياسية، مرحلة تحتاج إلى وعيٍ جماعي وإدراكٍ عميق بحجم المسؤولية الملقاة على عاتق كل مواطن وكل مرشح، فصوت الناخب لم يعد أداةً للمجاملة أو تعبيراً عن الانتماء، بل أصبح قراراً وطنياً يحدد شكل المستقبل.
ومن هذا المنطلق تأتي الدعوة إلى أن يكون البرلمان القادم امتداداً طبيعياً لنهج القيادة السياسية في استكمال مسيرة البناء والتنمية وتحقيق “حياة كريمة” لكل مواطن مصري، لا كشعار بل كمبدأ إداري وتنموي يعكس فلسفة الدولة الجديدة، ولقد أثبتت السنوات الماضية أن الإرادة السياسية في مصر تسير في اتجاه واضح نحو بناء دولة حديثة قوية المؤسسات، قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، وصون استقرارها الداخلي، ولكن نجاح هذه المسيرة لا يكتمل إلا ببرلمان وطني واعٍ يدرك أن دوره ليس تشريعياً ورقابياً فقط، بل هو شريك في صياغة القرار الوطني، وضامن لاستمرارية التنمية، وحارس لتوازن الدولة بين الإصلاح والاستقرار.

ومن أولى تلك التحديات التي ستواجه البرلمان المقبل تتمثل في المشهد الاقتصادي الذي يفرض نفسه بقوة، فبينما حققت الدولة إنجازات بنيوية كبرى في البنية التحتية والمشروعات القومية، يبقى التحدي الحقيقي في ترجمة هذه الإنجازات إلى تحسين ملموس في معيشة المواطن، وإيجاد حلول واقعية لضغوط الأسعار وفرص العمل وتحسين الخدمات.
وهنا يبرز دور البرلمان في صياغة تشريعات جديدة تدعم بيئة الاستثمار المحلي وتخفف الأعباء عن الطبقات المتوسطة والضعيفة، مع الحفاظ على التوازن المالي للدولة دون المساس بالعدالة الاجتماعية.
أما على المستوى السياسي، فإن البرلمان المقبل سيكون أمام اختبار دقيق بين الحفاظ على الاستقرار الوطني وتوسيع دائرة المشاركة السياسية الواعية.
لقد نجحت الدولة في استعادة الأمن وإعادة الانضباط إلى الحياة العامة، لكن المرحلة المقبلة تتطلب تفعيل المشاركة السياسية المنظمة وإتاحة مساحات حقيقية للحوار الوطني داخل البرلمان، بعيدًا عن المزايدات أو التكتلات التقليدية، فالوعي الجمعي اليوم أكثر نضجاً، والمواطن بات يبحث عن النائب الفاعل لا الصاخب، عن من يمتلك رؤية وحلولًا واقعية لا وعوداً براقة.

بالإضافة أيضاً لدور المجتمع المصري والذي يشهد تحولات ثقافية واجتماعية عميقة، نتجت عن تغير شكل الدولة واهتمامات الأجيال الجديدة، فلم يعد المواطن ينظر إلى السياسة من زاوية الصراع، بل من منظور الجدوى والنتيجة، وهذا التحول في الوعي الجمعي يمثل فرصة حقيقية أمام البرلمان الجديد لتجديد العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة على أساس المشاركة والثقة والمسؤولية المشتركة، كما أن الناخب اليوم يدرك أن البرلمان هو صوته الحقيقي، وأن من يجلس تحت القبة ليس ممثلاً لدائرته فقط، بل هو صوت للوطن كله.

ومروراً لدور المؤسسات والدور التشريعي الجديد حيث تتطلب الجمهورية الجديدة برلماناً حديث الرؤية والأداء، قادراً على التفاعل مع التحديات المعاصرة في الاقتصاد الرقمي، والتحول الأخضر، والسياسات الإقليمية.
فلم يعد التشريع مقتصراً على النصوص القانونية، بل أصبح أداة لإدارة المستقبل، وهنا يظهر دور البرلمان في تطوير التشريعات المنظمة لسوق العمل، ودعم الابتكار، ومواكبة التحولات العالمية في التكنولوجيا والبيئة والطاقة.

كذلك أيضاً فإن الرقابة البرلمانية تحتاج إلى أن تتحول من أداء تقليدي إلى رقابة تنموية، تتابع تنفيذ الخطط وتقيّم أثرها على المواطن والاقتصاد، لا أن تكتفي بمساءلات شكلية، هذه النقلة في مفهوم الرقابة تتسق مع روح الجمهورية الجديدة التي تقوم على الكفاءة والمحاسبة والشفافية.

ولكن المؤشرات الأولية تشير إلى أن المشهد الانتخابي في 2025 سيحمل سمات مختلفة عن الدورات السابقة، فالمزاج الشعبي يتجه نحو دعم المرشحين القادرين على العمل الميداني والتواصل مع المواطنين بواقعية، وليس من يرفعون شعارات بلا مضمون، كما أن الخريطة الحزبية قد تشهد تحالفات أكثر مرونة وبرامج أكثر واقعية، تعكس أولويات المواطن وليس مصالح النخبة، ومن المرجح أن يكون للمرأة والشباب حضور قوي في البرلمان الجديد، تأكيداً لسياسة التمكين التي أصبحت من ركائز الدولة المصرية.

ولذلك فإن التوقعات تشير إلى أن البرلمان القادم سيكون أكثر احترافية في أدائه، وأكثر وعيًا في طرحه، وأكثر التصاقًا بالمواطن في قضايا، فهو لن يكون مجرد مؤسسة تشريعية، بل منصة وطنية لتوحيد الرؤية بين الدولة والمجتمع، فنجاح هذا البرلمان لن يُقاس بعدد القوانين الصادرة عنه، بل بمدى تأثيرها في الواقع المعيشي، وبقدر ما تسهم في رفع كفاءة الدولة وتحقيق العدالة والتنمية المتوازنة.

إن مصر تدخل انتخابات 2025 وهي أكثر ثقة بقدرتها على عبور التحديات، وأكثر وعيًا بأهمية المؤسسات القوية في بناء المستقبل.
وإذا كان الرئيس قد وضع الأساس الصلب للجمهورية الجديدة، فإن النواب القادمين مطالبون بأن يكونوا حماة لهذا المشروع الوطني، وشركاء حقيقيين في استكماله لا عابري طريق في ظله، إنها لحظة فاصلة تستوجب من كل نائب قادم أن يدرك أن المقعد النيابي تكليف لا تشريف، ومسؤولية أمام الوطن قبل أن تكون تمثيلًا لدائرة.

وفي النهاية يبقى برلمان 2025 مرآة لوعي المصريين وإرادتهم في أن تستمر الدولة في مسارها المستقر، وأن تُستكمل مسيرة البناء التي وضعت المواطن في قلبها، لانها ليست انتخابات عادية، بل اختبار جديد لقدرة الدولة على إنتاج مؤسسات تعكس وعيها وتنضج تجربتها الديمقراطية، وتمنح للعالم صورة أمة تعرف طريقها، وتمضي فيه بثبات وثقة نحو مستقبل يليق بتاريخها.




تم نسخ الرابط