مع اقتراب الاستحقاق الدستوري المرتقب لعام 2025، تتكرر على ألسنة البعض تلك العبارة القديمة "ابن البلد أولى" وكأنها قاعدة مقدسة لا تقبل النقاش ولكن هل يعقل أن نظل أسرى لفكر محلي ضيق في زمن تقاس فيه الأمم بوعي شعوبها لا بانتماء مرشحيها الجغرافي؟ أليس الأجدر أن نرتقي بثقافتنا الانتخابية ونختار على أساس الكفاءة لا القرابة؟
لقد حسم الدستور هذا الأمر بوضوح، حين جعل النظام الانتخابي مزيجا بين القوائم النسبية والمقاعد الفردية، بحيث تضم الدائرة الواحدة أكثر من مركز إداري ويصبح من الطبيعي أن يمثل المرشح دائرة أوسع من حدود قريته أو مدينته. ومع هذا التغيير لم يعد منطق "ابن المركز" أو " ابن البلدة " كافيا لتحديد صوت الناخب، لأن الدوائر أصبحت تشكل نسيجا واحدا من مصالح ومطالب مشتركة تتجاوز الجغرافيا الضيقة.
إن ثقافة " ابن البلد " حين تستخدم في غير موضعها تتحول إلى عقبة أمام التنمية السياسية والاجتماعية. فكم من نائب كان "ابن البلد" لكنه لم يقدم شيئا لأبناء دائرته، وكم من مرشح من مركز آخر خدم الناس بصدق وتفان، لأنه يرى في الوطن بيتا واحدا لا غرفا متفرقة. المطلوب اليوم أن نختار من يعمل بعقل وقلب، لا من يرفع شعار القرب والمسافة.
المرشح الجدير بثقة الناس هو من يتواجد في الشارع، يسمع نبض المواطنين، يقدم الخدمات، يطرح الحلول، ويملك رؤية واضحة للمستقبل. هو من يقيس نجاحه بمدى رضى الناس لا بعدد اللافتات أو العلاقات العائلية. فهل نملك الشجاعة لنغير نظرتنا التقليدية ونجعل من الصوت الانتخابي أداة وعي لا أداة مجاملة؟
لقد آن الأوان لأن ننتقل من مرحلة "ابن البلد" إلى مرحلة "ابن الوطن"، لأن الأوطان لا تبنى بالمجاملات ولا تنمو بالعصبية، بل بالاختيار الواعي القائم على الكفاءة والنزاهة.
وفي انتخابات 2025، فلنجعل صوتنا شهادة للتاريخ نمنحه لمن يستحق، لا لمن يسكن بجوارنا