الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي

اللغة العربية ليست مجرّد لسانٍ ننطق به، بل هي جسرٌ تمتدّ عبره حضارةٌ ضاربة في الجذور، وذاكرةٌ تحفظ تاريخ أمةٍ عاشت بالكلمة، وانتفضت بالكلمة، وكتبت أعظم مجدها بالحرف. إنها اللغة التي إذا نطقتْ تنفّس القلب جمالًا، وإذا كُتبتْ ازدان السطرُ بضيائها، وإذا سكنتِ الروح إليها شعرتْ كأنها عادت إلى وطنٍ تعرفه منذ الأزل.

العربية لغةٌ خُلقت لتدهش؛ ففي مفرداتها اتساعٌ يسع الكون، وفي تراكيبها مرونةٌ تطوّع المعنى فلا يُعجزها خاطرٌ ولا يضيق بها خيال. هي لغةٌ تستطيع أن تكون سيفًا في موضع القوة، ونسيمًا في لحظة الحنان، وربيعًا أخضر في ساعة الرجاء.

ولعلّ الشعراء كانوا أول من أدركوا سحرها، فقد قالوا فيها:

وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخلاقُ ما بَقِيَتْ
فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا

وقال آخر يمدح جمال لغاتنا وروعاتها :

أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ 
فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي

إنها لغة القرآن ياسادة ، لغةٌ جلجل بها الوحيُ في أرجاء الصحراء، فأحيا القلوب، ورفع قدر الكلمات حتى أصبحت نورًا يُتلى، وحكمةً تُروى، وهدًى لا يبهت مهما تغيّرت الأزمنة.

كل حرفٍ من حروفها ينبض بتراث أمةٍ عظيمة، وكل كلمةٍ فيها تحمل ذاكرة  معركة، أو حكاية شاعر، أو حكمة عالم، أو صوت نبيّ. وفيها من الاتساع ما يجعلها كالمحيط؛ مهما غاص فيها المتعلم وجد دررًا جديدة، ومهما ارتحل الباحث اكتشف آفاقًا لا نهاية لها.
العربية ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي هويةٌ تُشبه جذور الشجر؛ كلما تشبّثت بالأرض ازدادت قوة، وكلما أحبها أبناؤها ازدادت حضورًا وبقاءً. 
هي المرآة التي نرى فيها أنفسنا، والصوت الذي نتواصل به مع تاريخنا، والنبض الذي يذكّرنا بأننا أبناء إرث لا يموت.

وتمضي العربية في دربها، شامخةً كجبلٍ لا تُهزّه الرياح، رقراقةً كنبعٍ لا ينضب، تحمل لنا من الماضي عبقه، ومن الحاضر نورَه، ومن المستقبل وعده. 
تبقى اللغة التي مهما ابتعدنا عنها تعود فتعيدنا إلى ذواتنا، كأنها تقول لنا: هنا جذوركم… هنا أنتم.
فيا أبناءَ الضاد، إن حبَّ لغتكم ليس ترفًا، بل نجاة، وليس اختيارًا، بل انتماءٌ يمنحكم قوةً لا تُرى، ويحميكم من الذوبان في عالمٍ يتغير كل يوم. تمسّكوا بها… اكتبوها… انطقوها… علّموها لأبنائكم واحفادكم ، فهي ميراثٌ لا يُشترى، وروحٌ لا تُستبدل، ووطنٌ يسكن القلب أينما حللتم.

وستظلّ العربية، ما دام فينا نفسٌ يتردد، تُشعل في أرواحنا ضوءَ الفخر، وتهمس لنا كل حين
أنا لستُ لغةً فحسب… أنما أنا هويةٌ لا تموت.




تم نسخ الرابط