الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي

في عصر تتسارع فيه المعلومات عبر التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، هل أصبح القرآن مجرد نص للقراءة الروتينية، أم مازال قادرًا على التأثير العميق في سلوك المسلم وقيمه الروحية؟ وكيف يمكن أن تتقاطع قراءة القرآن مع ضغوط الحياة المعاصرة وأنماط الاستهلاك والإعلام، لتؤثر على نظرة الفرد لنفسه ومكانته الاجتماعية؟

هذا المقال يستعرض دور القرآن الكريم في توجيه سلوك المسلم وتعميق قيمه الروحية، مع محاولة فحص العلاقة بين التعاليم القرآنية وتأثير الإعلام المعاصر في تشكيل سلوك الفرد وصورته عن المجتمع.

أثر القرآن: «بن أم عبد» حامل سر القرآن

دعونا نتأمل في بستان الصحب الكرام لنقطف ثمرة من ثمار  الفتوحات الربانية  فلا أقول وافق فهمه وتدبره لمراد الله، بل رجلًا ربّاه القرآن حتى صار هو والقرآن شيئًا واحدًا، ألا وهو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود:" حيث قال هو في موقفه مع النبي ﷺ: قال لي النبي ﷺ: «اقرأ عليّ القرآن» ؛ فقلت: أأقرأ عليك وعليك أُنزِل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري» فلما قرأ واستفتح سورة النساء وبلغ قوله تعالى:"﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال ﷺ: «حسبك» فإذا عيناه ﷺ تذرفان.

كان ابن مسعود غلامًا ضعيف الجسد، يرعى الغنم في مكة، لا جاه له ولا نسب، فلما سمع القرآن أول مرة من رسول الله ﷺ، لم يطلب دنيا ولا مكانة، بل طلب القرب من النبي لينهل من منبع النور، قال عن نفسه؛ 

«أخذتُ من فيِّ رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة»

فهو لم يتعلّم من صحائف، بل من فم النبي ﷺ مباشرة؛ يسمع الآية، فيحفظها، ثم يعيشها، ولم ينشغل بسباق الختمات، بل انشغل ببناء قلب سليم، 

«من أحبّ أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزِل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» فوصف النبي ﷺ حال بن مسعود مع القرآن

كان الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود مثالًا حيًا على قوة القرآن في تشكيل الشخصية والسلوك. فقد روى عنه أنه كان يقضي أوقات فراغه في التلاوة والتدبر، وكان كلامه مع الناس مستندًا دائمًا إلى هدي القرآن، ما جعل الجميع يثقون بحكمته وأخلاقه.

وهنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي قال: «كنا إذا سمعنا القرآن، قلبنا يرتجف من خشية الله»، أنظر كيف يمكن للقرآن أن يحوّل الفرد إلى شخص عادل ومهتم بالحق والخير، مهما كانت الضغوط الاجتماعية أو الاقتصادية المحيطة به.

هذه الأمثلة توضح سريعا أن القرآن، عندما يُتدبّر بعمق، له القدرة على تشكيل القيم والسلوكيات اليومية، ويجعل الفرد أكثر إدراكًا لمسؤولياته تجاه نفسه ومجتمعه.

القرآن و الإعلام الحديث

في العصر الحديث، نجد أمثلة لأشخاص تحولوا بفضل القرآن، رغم التعرض المستمر للإعلام الحديث، إلى قدوة في حياتهم العملية والاجتماعية:

شخصيات بدأت حياتها بتشتت بين وسائل التواصل ومشاهدة التلفزيون، ثم وجدت في القرآن مصدر هداية وهدوء نفسي، وأصبحت قراراتهم اليومية أكثر وعيًا وأخلاقية.

مؤسسات تعليمية قررت دمج القرآن في أنشطتها اليومية، فلاحظت تحسنًا في سلوك الطلاب وانضباطهم، بالرغم من تأثير الإعلام الرقمي السريع عليهم بل وحاولوا دمج وسائل تعليمية معاصرة والأنشطة كطقوسا في واقع التعليم.

العلاقة بين القرآن والإعلام المعاصر

رغم تأثير القرآن العميق، فإن الخطاب الإعلامي المعاصر قد يضعف هذا التأثير أحيانًا أو يقويه بحسب طبيعة المحتوى الذي يتعرض له الفرد:

الإضعاف: عندما يركز الإعلام على أنماط الحياة الاستهلاكية، أو يربط مكانة الفرد بمستوى الماديات، فإن الطلاب أو الشباب قد يشعرون بتفاوت اجتماعي، ما يقلل من أثر القيم القرآنية في حياتهم اليومية.

التقوية: على العكس، عندما يبرز الإعلام أمثلة للخير والرحمة، أو يسلط الضوء على قصص نجاح مبنية على قيم الإيمان والعمل، كما هو الحال في برنامج دولة  اتلاوة الذي يهتم باستضافة نماذج ناجحة في ميددان القران الكريم فيمكن أن يعزز أثر القرآن، ويجعل الشخص المتابع أو المتلقي أكثر التزامًا بالهدي القرآني.

بمعنى آخر، القرآن يبقى مصدرًا هاديًا، لكن الوسيط الإعلامي الحديث يلعب دورًا تكميليًا أو مضادًا، وفقًا لطبيعة الرسائل التي يتلقاها الفرد وتكرارها.

القرآن وتزكية النفس
الهداية التي يورثها القرآن ليست نظرية مجردة أو بعيدة عن الواقع الملموس، بل تقود مباشرة إلى العمل الصالح، مما يدل على أن الصلاح الحقيقي لا ينفك عن القرآن، فالتأمل بين صفحات المصحف يجد أن القلب هو القلب هو محلّ الصلاح والفساد، ولا يزكو إلا بنور الوحي، قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، فتزكية النفس تكون بالقران والتعلق به، ولذلك قال الله عز وجل؛ ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾

فالتدبّر في آيات القرآن هو الذي يُثمر الخشية والاتعاظ والصلاح.
المُعرِض عنه كالميت
اتذكر وأنا اكتب هذا المقال؛ قصة ملك من ملوك فارس عندما مر في طريقه على رجل عجوز يزرع نخلة أو زرعا أمام بستانه، فتعجب الملك من صنيعه فأوقف الموكب الخاص به وسألته يارجل لمن تصنع هذا وقد فنيّ عمرك، ولم تعيش طويلا لتجني ثمار ما زرعت أو تعبت لأجله؟ .. فتعجب العجوز من قولة الملك .. ور دعليه في اندهاش وقال له:" عشنا فأكلنا من زرع من سبقنا وهانحن نزرع ليأكل من بعدنا".. هنا نظر الملك مندهشا من حكمة العجوز وأمر أفراد حاشيته بالاقتداء به ووضع سرة من الدنانير هدية لهذا الرجل العجوز .. وفعلوا مثلما فعل .. وهنا ماكان من العجوز إلا ان قال للملك : زرعنا فأكلنا ونحن أحياء فيأكل من بعدنا ., فهذا حال من زرع زرعا أو غرس غرسا لينتفع غيره فما بالك بمن عَلَم غيره القرآن.

فالمتأمل للقصة يعرف تمام المعرفة أنه لاخاسر مع القران "تجارة لن تبور"، فأنت في الحقيقة في بوتقة النور الرباني والهداية والصلاح والفلاح سواء كنت مستمعا أو تالياً لآياته أو منشغلا بتدبر وتفسير آياته أو مُعلما أو متعلما .. أو على أقل تقدير محبا لأهله.

فالنبي ﷺ وسلف الأمة الصالح من الصحابة الذين قال عنهم النبي ﷺ:" خير الناس قرني ثم الذين يلونهم" فكانوا لا يتعاملون مع هذا الكتاب العظيم على أنه ألفاظ تُتلى فقط، بل منهج حياة، وهنا عبرت السيدة عائشة رضي الله عنها في وصف خُلُق النبي ﷺ ، فهذا أبلغ دليل على أن أكمل درجات الصلاح هي التحقّق بالقرآن علمًا وعملًا وسلوكً.

ويُخبرنا الله تبارك وتعالى عن حال الانسان لو شغلته الدنيا عن القران أو صُرف عن آيات الله المحكمات، فقد ذكر أهل التفاسير في التعليق على قوله تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾، فشبّه الله تعالى من أُحيي بالقرآن بمن أُعطي حياة حقيقية، والانسان الميت كان ميتًا بالبعد عنه، فأحياه الله بالإيمان والقرآن، فالحياة الحقيقية التي تُثمر صلاحًا واستقامة هي حياة القلب بالقرآن.
القرآن روح رمضان وحال النبي ﷺ معه 

كان جبريل عليه السلام يلقى النبي ﷺ في كل رمضان، فيُدارسه القرآن، فإذا أقبل الشهر، ازداد النبي ﷺ عبادةً، وكأن القرآن يُعيد ترتيب الروح من جديد

وفي رمضان، لا يقرأ الصحابة القرآن ليُتمّوا عددًا، بل ليُحيوا قلوبًا، لتُتلى الآية على مسامعك، فتُبكي، وتُتلى الأخرى، فتُغيّر مسار حياة المسلم العابد.


القرآن في غير رمضان كلام الله، لكن في رمضان حديثٌ خاص، كأن الآيات تُنادي على صاحبها، اقبل يامَن ابتعدت كثيرا، هذا وقتي فمن لي بقلبٍ مستيقظ؟ 

ما أجمل لحظة أن تُمسك المصحف قبل الفجر، والسكون يلفّ المكان، فتشعر أن كل آية تعرفك، وتخاطبك، وتسألك : ياعبد الله

هل تغيّرت؟ أم ما زلت كما كنت؟ رمضان لا يصنع الصالحين وحده، لكنّه يمنحك الفرصة لتكون صالحا في نفسك معينا لغيرك على صلاحه نفسه، 

والقرآن هو الذي يصنعك إن صدقت ، فإن خرج رمضان، وبقي القرآن رفيقك، فقد ربحت الشهر وما بعده، وإن كان آخر عهدك بالقرآن عند هلال العيد،

فقد مرّ رمضان… ولم تمرّ عليك هدايته وأنواه وفتوحاته.


فلم يكن رمضان شهرَ جوعٍ وعطش، ولا موسم عاداتٍ تتكرّر، بل كان منذ اللحظة الأولى موعدًا بين السماء والأرض في ليلةٍ ساكنة، والكون يتهيّأ لأمرٍ عظيم،  فلم ينزل القرآن دفعةً واحدة، بل نورًا يشقّ ظلام القلوب، ويوقظ في الإنسان فطرته الأولى

قال الله تعالى " ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾، لم يقل: شهر الصيام، بل قال: شهر أُنزل فيه القرآن، كأن الصيام طريق، والقرآن هو المقصد، ففي رمضان، تُفتح أبواب السماء،

لكن الأبواب التي تُفتح حقًا هي أبواب القلوب، يخفّ ثقل الدنيا، وتضعف شهواتها، فيأتي القرآن ليملأ الفراغ… لا بالضجيج، بل بالسكينة.

لازلنا نذكر العبد الصالح

ومع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك، واقتراب الذكرى الأولى ــ 

يوم 7 رمضان من العام الماضي

 

ــ لوفاة  الشيخ الراحل جابر عبد الحميد، رحمه الله يحن القلب لتلك الليالي عندما اصطفت الأقدام خلفه في صلاتي التراويح والتهجد لاسيما في العشر الأواخر، نسمع لآيات الله تبارك وتعالى بصوته العذب الباكي الخاشع، وكأن القرآن ينصب من قلبه وهو بين يدي ربه وفي محرابه كما الماءُ مِن فِي السِقاه.

لازلت أذكر لحظات البكاء والخشوع مع اقتراب وقت السَحَر لاسيما في العشر الاواخر من  الشهر الفضيل، وعندما استمع بعد وفاته لتلاوته عبر منصته على تطبيق تليجرام، لازال يحضرني أصوات بكاء المصلين وصرخاتهم التي كانت ترتفع في ركعة الوتر تضرعا داخل مسجد النصر بالمعادي الذي دعا الناس إلى توسعته في آخر حياته، .. رحم الله الرجل العابد الصالح وعوض أمتنا خيرًا منه .

أخيراً .. إنَّ الصلاح في الإسلام ليس حالةً عارضة، ولا خُلُقًا منفصلًا عن المنهج الرباني، بل هو ثمرة مباشرة للارتباط بكلام الله تعالى تعلّمًا وتدبّرًا وعملًا، فالقرآن هو مصدر الهداية، ومنه تنبع استقامة القلب وصلاح السلوك، فقد جعل الله تعالى القرآن هاديًا للتي هي أقوم، وربط الهداية العملية بالإيمان به واتباعه، فقال سبحانه؛ ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾،  والقرآن الكريم في الحقيقة ليس نصًا جامدًا، بل هو قوة حية قادرة على تشكيل السلوك والقيم، إلا أن تأثيره في العصر الحديث مرتبط بالوعي الفردي وبالبيئة الإعلامية المحيطة، فالإعلام إما أن يكون جسرًا يعزز الهداية، أو حاجزًا يشتت الانتباه ويضعف القيم، لذلك من المهم دمج القرآن في الحياة اليومية للشباب والأطفال، وتعليمهم التمييز بين التأثير الإعلامي الإيجابي والسلبي، لضمان أن يظل القرآن مصدرًا للثبات النفسي والأخلاقي وسط ضغوط العصر.. وهنا تتجسد 

«همساتُ مُحبٍ»

 لهذا الكتاب العظيم.




تم نسخ الرابط