الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي

الدراما وصناعة الوعي المجتمعي وتأثير الفن على سلوك الشباب

288
المواطن

الدراما وصناعة الوعي المجتمعي  وتأثير الفن على سلوك الشباب.

ليس كل مشهد صادم يمكن نسبته إلى عمل بعينه أو فنان محدد، فالأمر أعمق من اختزاله في اسم ممثل أوفنان القضية في جوهرها تتعلق بتراكمات ثقافية وإعلامية أسهمت عبر سنوات في إعادة تشكيل بعض المفاهيم والسلوكيات لدى قطاع من الشباب.

وهذه نتائج طبيعية نراها اليوم في حياتنا اليومية، حيث تتجلى آثار التعرض المتكرر لمضامين درامية مشحونة بالعنف أو السلوكيات المنحرفة في بعض أنماط التفاعل الاجتماعي بين الشباب. فنلاحظ أحيانا تصاعد النزعة إلى تقليد لغة القوة والاستعراض، أو الميل إلى حل الصراعات بأساليب اندفاعية، باعتبارها نماذج راسخة في الذاكرة البصرية والوجدانية. كما يظهر ما يمكن وصفه بتراجع الحساسية الأخلاقية تجاه بعض الممارسات التي كانت في السابق محل رفض مجتمعي واضح.

إن تكرار التعرض يرسخ ما يسمى التطبيع حيث ينتقل السلوك من كونه مرفوضا إلى كونه مألوفا ثم إلى كونه مقبولا ضمنيا. ومع غياب الحوار النقدي والتوجيه الأسري الواعي، تتعزز هذه الصور الذهنية لتصبح جزءا من البناء المعرفي والقيمي لدى الفرد.

وعليه، فإن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بالمنع أو الاتهام، بل بإنتاج بدائل فنية جاذبة وواعية، وبترسيخ ثقافة المشاهدة الناقدة التي تميز بين الدراما كعمل فني، وبين الواقع كمسؤولية أخلاقية وسلوكية. فحين يتكامل الفن الراقي مع الوعي التربوي، يمكن أن نستعيد للدراما دورها الحقيقي كقوة بناء لا كعامل إرباك في تشكيل وعي الأجيال.

فالسلوك الإنساني يتأثر بما يعرف بآليات التعلم الاجتماعي حيث يتعلم الفرد من خلال الملاحظة والتقليد خاصة عندما تعرض أمامه نماذج تبدو ناجحة أو قوية أو مؤثرة. وعندما يقدم العنف أو الاستعراض العدواني في صورة بطولة دون إظهار كافٍ للعواقب السلبية فإن بعض الشباب قد يستبطنون هذا النموذج بوصفه سلوكاّ مقبولاّ أو وسيلة لإثبات الذات.

كما أن التعرض المتكرر لمشاهد العنف قد يؤدي إلى ما يسمى بالتبلد الانفعالي، حيث تقل حساسية الفرد تجاه القسوة أو العدوان، ويصبح المشهد الصادم عادياّ مألوفاّ. وهنا تكمن الخطورة إذ يتحول المحتوى الفني من وسيلة ترفيه إلى أداة لإعادة تشكيل المعايير السلوكية والقيمية.

لقد عرفت الدراما المصرية عبر تاريخها أعمالاّ حملت رسائل إنسانية عميقة، وعززت قيم الانتماء والعمل والاجتهاد والاحترام.

أما حين يطغى الابتذال وتغيب الرسالة، فإن التأثير لا يقف عند حدود الشاشة، بل يمتد إلى وعي المتلقي وسلوكه.

ومن هذا المنطلق، جاءت دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تقديم فن راقٍ وهادف يعكس هوية المجتمع ويحافظ على ثوابته، إدراكًا لدور الفن في صياغة الوجدان العام. فالفن قوة ناعمة مؤثرة إما أن تبني الإنسان نفسياّ وقيمياّ أو تتركه فريسة لنماذج مشوهة.

إن المسؤولية هنا لا تقع على صناع الدراما وحدهم بل هي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلام.

فنحن بحاجة إلى خطاب فني يعزز التوازن النفسي، ويقدم نماذج إيجابية حقيقية، ويعيد الاعتبار لقيمة الكلمة والصورة.

فبناء الإنسان يبدأ من بناء وعيه، والفن أحد أهم أدوات هذا البناء. وإذا أردنا جيلاّ متزناّ سلوكياّ، فعلينا أن نعيد توجيه البوصلة نحو فن يرتقي بالعقل، ويحصن الوجدان، ويؤسس لقيم راسخة تحمي المجتمع من الانزلاق نحو العنف والابتذال.

 

للمزيد حول بوابة المواطن الإخبارية اضغط هنا 




تم نسخ الرابط