ونحــن فـي عصــر السـرعــة.. هــل نفتقـد البُـطء؟!
ونحــن فـي عصــر السـرعــة.. هــل نفتقـد البُـطء؟!

أتذكر عندما كنا نشاهد الأفلام أو المسلسلات المصرية، كانت هناك جملة تتكرر كثيرًا عندما نجد الممثل أحيانا يقول "نحن في عصر السرعة". ونحن ما زلنا نكرر تلك الجملة منذ القرن الماضي، بل ونستخدمها للتعبير عن اللوم وإظهار التوبيخ إذا شعرنا أن أحدًا ما قد نفذ شيئا حتى ولو بإيقاع أقل قليلا من السرعة المعتادة في عصرنا هذا. لا يستطيع أحد أن ينكر أننا استفدنا كثيرا من مزايا عصر السرعة في كل مجالات حياتنا، لكن الأمر تحول فعليًا إلى سباق مُحتدم بين الإنسان والزمن. أصبح الشغل الشاغل للبشرية هو أن تتمكن من إنجاز أكبر قدر من المهام اليومية في أقل وقت ممكن.
بالرغم من أهمية سرعة إنجاز الأعمال وأداء المهام إلا أننا قد وقعنا على ما يبدو في فخٍ كبير. لقد أصبحنا نشبه الآلات الصماء التي تعمل دون وعي، مما أفقدنا الكثير من صفاتنا الإنسانية. تغلغلت مساوىء عصر السرعة في نفوسنا بدلا من أن تكون الغاية منه هي مساعدتنا في تحسين حياتنا وتنظيم أوقاتنا. تغيرت عاداتنا بشكل لافت فصرنا نأكل بسرعة، ونتكلم بسرعة، وننهي زياراتنا بسرعة، ونفكر بسرعة، ونقرأ بسرعة، وغير ذلك مما حول أنماط حياتنا الأساسية إلى سباق يومي لا يتوقف. لم نعُد نسمع كلمات كانت متأصلة في ذاكرتنا مثل التأني والتروي والتأمل والتمهل إلا قليلًا جدًا. طغت كلمة "السرعة" على أشياء كثيرة في حياتنا فأخرجتها من معانيها، فأصبح لدينا مسميات مثل "الوجبات السريعة، والتمارين السريعة، والفيديوهات السريعة" وغير ذلك مما أفرغ الأشياء في حياتنا من مضمونها الحقيقي وفائدتها المنشودة.
لو تأملنا حالنا قليلا لوجدنا أننا منذ أن نستيقظ وحتى نهاية يومنا نجري بكل قوة، وكأننا نحاول أن نحطم رقمًا قياسيًا جديدًا لنعلن هزيمة الوقت. وفي الواقع فإننا لم نهزم الوقت ولن نهزمه أبدا، فنحن الذين فقدنا الاستمتاع بالأشياء من حولنا منذ أن صار الهدف هو الكم وليس الكيف. جاءت تلك السرعة على حساب طبيعتنا البشرية، وعلى حساب مشاعرنا وعلاقاتنا الإنسانية. أخشى أن نكون استسلمنا لاستبداد الوقت، ورضينا بأن نتقبل سلبيات عصر السرعة ونتعايش معها. لماذا لا ندرك أننا أصبحنا نتعاطى مع الحياة بسطحية؟، حتى إننا لم نعد نبالي بالأثار الجسدية والنفسية لهذا الركض اليومي المتواصل. بات الأمر وكأن تكنولوجيا عصر السرعة والتي من المفترض أن توفر الوقت، هي نفسها التي تزداد تغلغلًا بتطبيقاتها المختلفة لتلتهم ما تم توفيره من وقت.
لا يمكن أن ننسى ما حدث وقت الجائحة عندما وجدنا أنفسنا خلال العزل الاجتماعي قد توقفنا فجأة عن الجري المتواصل. لقد أيقظتنا تلك الصدمة ونبهتنا أن الأيام تمر بسرعة شديدة وأننا كنا ندور في حلقة مفرغة. أؤيد بشدة تلك الدعوات العالمية المتزايدة في الأونة الأخيرة لما يسمى بــ "إعادة البطء إلى حياتنا"، لعلنا نستعيد التوازن ونلتقط الأنفاس. يجب أن نتوقف عن اختزال عناصر النجاح والتميز في الحياة بالسرعة في الإنجاز فقط. إن السرعة هي عنصر واحد من عناصر النجاح المتعددة. ينبغي لنا أن نُعيد العمق إلى حياتنا عند التعامل مع الأحداث، ونتخلص من السطحية لنتعلم من التجارب والدروس. أرجو أن نتحرر مما يسمى بثقافة السرعة، فالسرعة هي مجرد وسيلة مهمة وليست ثقافة. علينا أن ندرك أن السرعة وإن كانت مطلوبة فإنها ليست محمودة بشكلٍ مطلق، كما أن البطء ليس مذمومًا بشكلٍ مطلق.