الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي

د.هيثم محمد ثابت يكتب«حين تتكلم الجغرافيا ويصمت المدفع:من درس السويس1956إلى سؤال الخليج2026»

727
المواطن

من السويس إلى الخليج: حين تختبر الأمم وزنها في ميزان التاريخ

في التاريخ لحظاتٌ لا تُقرأ كخبرٍ في صحيفة، بل تُقرأ كفصلٍ في كتاب الأمم.
لحظاتٌ ترتجف فيها خرائط السياسة، وتُختبر فيها صلابة الدول، وتنكشف فيها حقيقة القوة:
هل هي قوة السلاح… أم قوة الإرادة؟

في مثل تلك اللحظات تتقدم الأمم إلى مسرح التاريخ لا لتقاتل فحسب، بل لتثبت أنها قادرة على الصمود حين يشتد الطوق، وعلى الوقوف حين تتكاثر الضغوط، وعلى تحويل الخطر إلى فرصة، والتهديد إلى نقطة تحول.

هكذا كان المشهد في عام 1956، عندما واجهت مصر تحالفًا عسكريًا ضم بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في ما عرف تاريخيًا باسم أزمة السويس أو العدوان الثلاثي.
كانت المعادلة العسكرية تميل بوضوح إلى جانب القوى المعتدية، لكن المعادلة السياسية كانت تسير في اتجاه آخر.

لم يكن الأمر مجرد حرب تقليدية بين جيوش، بل كان صراعًا بين منطقين:
منطق القوة العسكرية… ومنطق الشرعية السياسية.

وقد خرجت مصر بقيادة جمال عبد الناصر من تلك المواجهة وقد رسخت قاعدة سياسية لا تزال تتردد في كتب الاستراتيجية:
أن التحالفات قد تمتلك التفوق العسكري، لكنها قد تخسر المعركة حين تفشل في كسب معركة الشرعية والتوازن الدولي.

ومن هنا يطل سؤالٌ ثقيلٌ على المشهد الجيوسياسي المعاصر:

هل تستطيع إيران — إذا وجدت نفسها في مواجهة تحالف ثنائي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل — أن تعيد إنتاج معادلة الصمود التي صنعتها مصر في منتصف القرن العشرين؟

السؤال في جوهره ليس عسكريًا بقدر ما هو سؤال استراتيجي سياسي.


حين تهزم السياسة المدافع

في علم الحرب، تقاس القوة بعدد الطائرات والصواريخ.
أما في علم الاستراتيجية، فالقوة تُقاس بالقدرة على إدارة الصراع.

العدوان الثلاثي لم يفشل لأن الجيوش المعتدية كانت ضعيفة، بل لأنه اصطدم بجدارٍ سياسي لم يكن في الحسبان.

فالعالم آنذاك كان يعيش ذروة التنافس بين القوتين العظميين: الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي.
وكان استمرار الحرب يهدد بخلخلة توازنات النظام الدولي.

وهكذا، وبين ضغوط الدبلوماسية وارتباك الحسابات، بدأ التحالف العسكري يتفكك تدريجيًا.

فالتحالفات في السياسة تشبه العقود التجارية:
تبدو متينة على الورق، لكنها قد تتصدع حين تتعارض المصالح.

ولهذا قال أحد حكماء الاستراتيجية يومًا:
إن التحالفات قد تبدأ بالحماس… لكنها تنتهي بالحساب.


الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين: ساحة صراع مركب

لكن إسقاط تجربة عام 1956 على واقع عام 2026 ليس عملية حسابية بسيطة.

فالشرق الأوسط اليوم ليس مجرد مسرح نزاع إقليمي، بل عقدة استراتيجية في النظام الدولي.

لقد بنت إيران خلال العقود الماضية منظومة ردع تقوم على ما يسميه خبراء الأمن الردع غير المتكافئ:
صواريخ بعيدة المدى، قدرات عسكرية غير تقليدية، ونفوذ إقليمي واسع.

في المقابل، تمثل الولايات المتحدة الأمريكية القوة العسكرية الأكثر انتشارًا في العالم، بينما تمتلك إسرائيل تفوقًا تكنولوجيًا واستخباراتيًا يجعلها أحد أبرز الفاعلين الأمنيين في المنطقة.

وهكذا تتشكل معادلة دقيقة:

قوة قادرة على الضرب.
وقوة قادرة على الاحتمال.

وبين الضرب والاحتمال يولد ما يسميه الاستراتيجيون توازن الردع.

وهو توازن لا يمنع الصراع… لكنه يمنع الانفجار الكامل.


الحروب الجديدة: حين يتحول العالم كله إلى ساحة معركة

في خمسينيات القرن الماضي كانت الحروب تُحسم في الميدان.

أما اليوم فقد تغيرت قواعد اللعبة.

فالحرب الحديثة ليست مواجهة عسكرية فقط، بل منظومة صراعات متشابكة:

حرب اقتصادية عبر العقوبات.
حرب سيبرانية عبر الفضاء الرقمي.
حرب إعلامية عبر الروايات المتنافسة.
وحرب نفسية تستهدف المعنويات قبل الحدود.

ولهذا قد تخسر دولة الحرب وهي لم تخسر معركة واحدة،
وقد تنتصر أخرى لأنها نجحت في إدارة الصراع لا في تفجير الصراع.


الفرق بين معركة السيادة ومعركة النفوذ

كانت مصر في عام 1956 تخوض معركة واضحة العنوان:
معركة السيادة الوطنية بعد تأميم قناة السويس.

أما إيران اليوم فتخوض صراعًا أكثر تعقيدًا؛
صراع نفوذ إقليمي يتشابك مع مصالح دولية تمتد من الطاقة إلى الأمن العالمي.

ولهذا فإن المقارنة بين اللحظتين التاريخيتين مفيدة من حيث الإلهام، لكنها ليست مطابقة من حيث المعادلة.

فالتاريخ لا يكرر نفسه… لكنه يعيد اختبار الدول بأسئلة جديدة.


الخاتمة: مانيفستو الإرادة السياسية

في نهاية المطاف، لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من صواريخ فقط،
بل بما تملكه من رؤية،
ولا بما تملكه من جيوش فقط،
بل بما تملكه من إرادة.

فالدول التي تدخل الحروب بلا استراتيجية،
تخسر حتى لو امتلكت القوة.

والدول التي تدير الصراعات بعقل بارد وإرادة صلبة،
قد تنتصر حتى وهي في موقع الدفاع.

لقد علمتنا أزمة السويس درسًا لا يسقط بالتقادم:
أن المدافع قد تصنع الضجيج…
لكن السياسة هي التي تكتب النتيجة.

وفي عالم يموج بالصراعات والتحالفات،
يبقى السؤال معلقًا فوق خرائط الشرق الأوسط:

هل تستطيع دولةٌ ما أن تصمد حين يشتد الطوق؟
هل تستطيع أن تحول الضغط إلى قوة، والحصار إلى صمود، والتهديد إلى لحظة تاريخية؟

التاريخ لا يجيب مقدمًا.

لكنه يترك صفحة بيضاء…
وينتظر من يملك الجرأة ليكتب عليها.

فالأمم لا تُخلَّد لأنها قوية فقط،
بل لأنها تعرف متى تقف… وكيف تصمد… ومتى تقول للعالم: هنا تبدأ إرادتي.




تم نسخ الرابط