الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي

في إحدى دعوات الإفطار التي أُقيمت في بيتٍ من بيوت الله لمعلمي القرآن الكريم، كنا جلوسًا في المسجد ننتظر اذان المغرب وما إن ارتفع الأذان حتى بدأ حامل الوجبات يوزعها على الصائمين واحدًا تلو الآخر، حتى أخذ كلٌّ نصيبه غير أن الكمية نفدت قبل أن تصل إلى أحد الجالسين فبقي بلا وجبة تدور عينيه من الترقب.


حياءا وأدبا
الحقيقة كان الرجل في عمر والدي تقريبًا وقد رأيته يتوارى قليلًا عن الأنظار وكأن الحرج قد أثقله حين أدرك أن نصيبه لم يصل إليه. ولم تمض لحظات حتى بدأ يعتذر بلطف عمّن حوله متحججًا بأنه يتناول بعض العلاج بعد الإفطار مباشرة، وأنه يفضّل أن يؤخر الإفطار التزامًا بنصيحة الطبيب
فادركت حينها أن كلماته لم تكن إلا ستارًا رقيقًا يحفظ به كرامته، ويصون به عزة نفسه من أن يظهر بمظهر المحتاج.

عندها بادرت إليه مسرعًا وأخبرته أنني لا أتناول وجبة كاملة عادة، واقترحت أن نتقاسم وجبتي معًا لكنه اعتذر بلطف وأدب وأكد أنه سيقوم لصلاة السنة ولا رغبة له في الطعام حاولت معه مرة أخرى وألححت عليه لكنه أصرّ على اعتذاره.

جلست أنتظر ولم أمد يدي إلى الطعام بل تركته كما هو قرابة نصف ساعة أو يزيد بعد الأذان إلى أن اقترب الرجل من الانتهاء من صلاته وبينما نحن على تلك الحال جاء رجل آخر يحمل وجبة وقال إنه لا يريدها
فبادرت بالإشارة إلى ذلك الرجل المسن الذي حُرم نصيبه أول الأمر، ليأخذ الوجبة وينال حظه من الإفطار.

ويؤثرون على أنفسهم
وبعد أن فرغ من صلاة سنة المغرب جاءني وهو يحمل الوجبة وسألني: «أهذه وجبتك؟». فأخبرته بأنها ليست وجبتي بل رزق ساقه الله إليه ومع ذلك ألحّ عليّ أن آخذها وظن أنني آثرتُه بها على نفسي، حتى اضطررت أن أُقسم له بالله أنها ليست وجبتي اطلاقا.


جبر الخواطر
حينها رأيت في عينيه فرحة صادقة وسعادة ممزوجة بالامتنان  كاد الرجل أن يعانقني وكلمات الشكر أوشكت أن تتفلت من لسانه "على صنيعي".

والحقيقة أنني لم أرَ نفسي قد صنعت له معروفًا ولم أشعر أنني قدمت شيئًا يُذكر فذلك ليس إلا حق المسلم على أخيه المسلم.

الأنفس العزيزة رزق
غير أن هذا الموقف البسيط كشف لي معنى هام أكثر جمالا وهو اللافت لقلبي وهو عزة النفس فذلك الرجل رغم حاجته لم يقرر أو يفكر مجرد تفكير أن يمد يده أو يُشعر أحدًا بحاجته بل آثر الصمت والتعلل بعذرٍ يحفظ به كرامته.

وهنا يتجلى جمال الانسان حين تلتقي الرحمة بعزة النفس عزةٌ تحفظ كرامة الإنسان ورحمةٌ تتفقد حاجته دون أن تجرح شعوره.

الرحمة أفعال 
في تلك اللحظة أدركت أن الرحمة ليست كلمات تُقال بل مواقف تُعاش؛ فقد تكون في التفاتة صادقة أو في إحساس بإنسانٍ آخر قبل أن يطلب أو في حرصٍ صادق على ألا يبقى أحد محرومًا مما بين أيدينا.


إنها روح التكافل التي يحييها الإيمان في القلوب في هذا الشهر الفضيل فتجعل الإنسان يرى أخاه قبل نفسه ويشعر بحاجته قبل أن يشعر بجوعه.


رمضان وخلق الرحمة
وهكذا يعلّمنا  شهر رمضان (الذي أوشكت لياليه المباركة أن تنقضي وتتسربل من بين أيدينا دون ٱن نشعر)

أن الرحمة لا تكون فقط في الصدقات الكبيرة بل في المواقف الصغيرة التي تحمل في طياتها قلبًا حاضرًا يقظًا فكم من موقف بسيط يحيي معنى الأخوة ويذكرنا بأن المجتمع الرحيم هو المجتمع الذي يُغلف سلوكه بخلق الرحمة… فالراحمون يرحمهم الرحمن.


مبدأ العزة في القران
إن هذا الموقف البسيط يُذكّرنا بحقيقة لطالما حث القرآن  عليها؛ وهي أن المسلم عزيز بطبعه لا يذلّ نفسه ولا يريق ماء وجهه بل يعيش كريم النفس حتى في لحظات الحاجة.

وليس عجيبًا أن يكون ذلك كذلك، فنحن أمة كتابها كتابٌ عزيز، كما وصفه الله تعالى بقوله: «وإنه لكتاب عزيز». فالقرآن لا يعلّمنا العبادة فحسب بل يربينا على عزة النفس وكرامة الإنسان حتى في التفاصيل الصغيرة من حياتنا.

ومن يتأمل الموقف الذي سردته يدرك أن هناك من يحفظ كرامته بعزة وهناك من يتفقد أخاه برحمة… وهكذا يصنع القرآن مجتمعًا يجتمع فيه الكرم مع العزة والرحمة مع الكرامة .

الليث بن سعد وعزة النفس

يذكرني هذا الموقف بموقف شهير للإمام الليث بن سعد رحمه الله الذي كان شديد التمسك بعزة النفس حتى في حياته العلمية وعلاقاته اليومية فقد روي أنه بينما كان يعلّم ويتلقى الطلاب جاءه رجل يطلب مساعدته مادياً فأجابه بما يملكه من عطاء وكرم لكنه رفض أي طلب يسيء لكرامته أو يُذله أمام الناس.




تم نسخ الرابط