في بعض ليالي رمضان، تحدث أشياء صغيرة في ظاهرها، لكنها تترك في القلب أثرًا كبيرًا لا يُنسى.
قد تكون كلمة صادقة، أو نصيحة عابرة، أو لحظة هادئة في مسجد بعد صلاة التراويح… وربما دمعة خرجت من عين رجل لم يستطع أن يخفي ما في قلبه.
في تلك الليلة، لم يكن الحديث طويلًا، ولم يكن المجلس مزدحمًا، ولم يحدث شيء استثنائي في ظاهره…
لكن شيئًا ما في ذلك اللقاء جعلني أدرك مرة أخرى أن الطريق إلى القرآن الكريم لا يزال مفتوحًا، وأن القلوب إذا صدقت في طلبه، فإن الله يهيئ لها أسبابًا لا تخطر على بال.
وهذه حكاية تلك الليلة الصافية…
بعد صلاة التراويح في إحدى ليالي رمضان المباركة، جلست في المسجد مع أحد المصلين كان الليل قد هدأ، وخفتت الأصوات في أرجاء المسجد، وبقيت تلك السكينة الخاصة التي لا تشعر بها إلا في ليالي رمضان بعد الصلاة.
كنا نجلس في هدوء ننتظر إقامة صلاة التهجد، وهي تلك الساعات الهادئة التي يعيش فيها المسجد حالة من السكون الجميل؛ لا ضجيج فيها إلا همسات الذكر أو تقليب صفحات المصاحف.
قبل أن نبدأ حديثنا عن القرآن والعودة إلى حفظه، كنت قد أتهيأ نفسي بقراءة بعض الآيات من القرآن، ووقفت عند سورة الروم. لقد بدأت هذه السورة بالبشارة بالنصر، فتحدثت عن وعد الله للذين يثابرون ويصبرون في مواجهة الشدائد، وأعطت الأمل في الفرج بعد المحن.
واختتمت السورة بالأمر بالصبر، لتذكّر الإنسان أن النجاح والنصر لا يأتيان إلا بالثبات والجلد، وأن الصبر طريق مفتوح لكل من أراد أن يحقق ما يصبو إليه في حياته.
ومن هنا استقيت الدرس لحديثي مع صاحبي في تلك الليلة؛ فكما أن النصر في سورة الروم مشروط بالصبر والثبات، فإن الاقتراب من القرآن وفهمه وتدبره يحتاج إلى صبر على المشاغل وتفانٍ في المواظبة، حتى يفتح الله أبواب العلم والهداية، ويصبح القلب مستعدًا لاستقبال كل ما يبعثه الله من نور ورحمة.
جلسنا نتحدث، وكان حديثنا يدور حول علامات ليلة القدر في هذه الليالي السبع الباقية من الشهر الكريم.
كانت لحظة صفاء؛ القلوب فيها أقرب إلى الصدق، والكلمات تخرج هادئة كما لو أنها تبحث عن مكانها في القلب.
وبينما نحن على هذا الحال، فتح الرجل قلبه لي فجأة، وقال بنبرة صادقة:
"إنه يحب القرآن الكريم حبًا صادقًا" يحب تلاوته، ويشتاق إلى حفظه، ويتمنى أن يعيش مع آياته حفظًا وتدبرًا لكن العمل ومشاغل الحياة أخذت منه كثيرًا من الوقت، حتى أصبح يشعر أنه مقصر في حق هذا الكتاب العظيم.
كان كلامه يحمل شيئًا من العتاب لنفسه، وكأن لسان حاله يقول
"كيف يمكنني أن أتجاوز هذه العقبة؟"
حاولت أن أشاركه بعض ما جربته أو رأيته نافعًا لغيري. قلت له إن الأمر في أوله وآخره توفيق من الله عز وجل، ولا بد أن يرسخ هذا المعنى في القلب. ثم حدثته عن القرآن، وعن عجيب أثره في حياة من يقترب منه.
قلت له: إن القرآن كتاب عزيز؛ إن أعطيته من وقتك أعطاك من جماله وبركته وهداه، وكلما اقتربت منه أكثر، فتح الله لك أبوابًا لم تكن تتوقعها. وكلما أعطيته أكثر، أعطاك أكثر.
وبينما كنت أواصل الحديث، قاطعني فجأة وقال بلهجة صادقة:
"أريدك أن تكون عونًا لي في هذا الطريق."
طمأنته أن الأمر يسعدني، لكنني أخبرته أيضًا أن الطريق إلى القرآن لا يقوم على الجهد الفردي وحده، بل يحتاج إلى صحبة صالحة تشد العزيمة وتعين على الاستمرار.
ولكي أوضح له الفكرة أكثر، قلت له:
"لو أردت أن أتعلم رياضة لا أعرف عنها شيئًا، فبمَ تنصحني؟"
فأجاب فورًا:
"أن تذهب إلى النوادي والملاعب الخاصة بهذه الرياضة، حتى تتعلمها من أهلها وتكتسب الخبرة فيها."
قلت له مبتسمًا:
"وهذا هو المقصود. فمن أراد إتقان شيء، لزمه أن يلازم أهله وبيئته. وكذلك القرآن؛ يحتاج إلى مجالسة أهله، والاقتراب من حلقاته، والعيش في أجوائه."
وأثناء حديثنا، اقترب منا رجل أعرفه من أهل المسجد صافحني بحرارة، وعانقني عناقًا سريعًا يليق بأجواء رمضان، ثم مد يده إلينا بقطعة من الكنافة المحشوة بالكريمة، وكان يوزعها على بعض المصلين في المسجد.
شكرناه، وجلس معنا لحظات. حاول أن يفتح حديثًا جانبيًا معنا، لكن طعم الكنافة في تلك اللحظة كان حاضرًا بقوة؛ دفء الكريمة وطراوة قلبها جعلنا نتوقف قليلاً عن أي حديث، وكأن الصمت أصبح احترامًا لتلك النكهة فائقة الجمال واللذاذة.
بعد دقائق قليلة نهض الرجل وأكمل طريقه بين المصلين، وعدنا إلى حديثنا الأول.
التفتُّ بعدها إلى صاحبي لأكمل معه تلك الموعظة السريعة، لكنني فوجئت بشيء لم أكن أتوقعه…
كادت عيناه أن تبكيان أو أوشكتا على الدموع.
أدركت في تلك اللحظة أن الحديث عن القرآن والدعوة إليه، لا يمل منه الإنسان أبدًا، بل يزداد قلبه اشتياقًا لكل ما يتعلق به. فكلما دعا إلى القرآن، أو صاحبه، أو دلّ الناس عليه، أو ساعدهم في تعليمه وتعلمه، زادت حياته بركة ونفعًا، وارتفعت درجات قلبه قربًا من الله
فالحقيقة المؤكدة أن الحديث عن القرآن ليس حديثًا عابرًا.
فهو حين يلامس القلوب بصدق، يوقظ فيها أشواقًا قديمة، ويعيد إليها الطريق من جديد.
وربما كانت الرسالة التي حملتها تلك اللحظة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه… فالطريق إلى القرآن ما زال مفتوحًا، وأن الله قد يفتح بابًا في القلب بكلمة صادقة، أو بنصيحة مخلصة، أو بلحظة هادئة في زوايا المسجد بين كلمة عابرة ودمعة مستترة.