وقول لنا – يا صباحَ العيدِ – مبتسمًا:
إنَّ الحياةَ، وإن ضاقتْ، ستتّسعُ.
يأتي العيدُ كلَّ عامٍ محمَّلًا بذكريات الطفولة، وعبق البهجة، وصوت التكبيرات التي تملأ القلوب قبل الطرقات. كان العيدُ يومًا للحياة؛ حياةٍ تتجدّد فيها الأرواح، وتصفو فيها النفوس، وتلتقي فيها القلوب قبل الأيدي. غير أنّ المتأمّل في واقعنا اليوم يلحظ أن العيد لم يعد كما كان، وكأنّ بين العيد والحياة مسافةً أخذت تتّسع عامًا بعد عام.
كان العيدُ قديمًا مناسبةً لإحياء المعاني قبل إظهار المظاهر؛ تُفتح فيه الأبواب للصلح، وتُمدّ الأيادي للمحبّة، وتُنسى الخصومات الصغيرة في حضرة الفرح الكبير. كانت البيوت تضجّ بالدفء الإنساني، لا بزينةٍ تُعلّق وتُنزَع، بل بمشاعر صادقةٍ تبقى بعد انقضاء اليوم. أمّا اليوم فقد غلبت الصورةُ على الجوهر، وصار العيد عند كثيرين موسمًا للثياب الجديدة والصور العابرة، أكثر من كونه مناسبةً لإحياء الروابط الإنسانية.
لقد تحوّل العيد في نظر البعض إلى طقسٍ اجتماعيٍّ سريع: زياراتٌ مختصرة، ورسائلُ جاهزة، وابتساماتٌ تمرّ كأنّها واجبٌ لا رغبة. ومع ذلك، تبقى الحياةُ أعمق من هذا كلّه.
العيد الحقيقي لا يسكن في الزينة ولا في الضجيج، بل يسكن في القلوب التي تعرف معنى اللقاء، وفي النفوس التي ما زالت تؤمن بأنّ الفرح قيمةٌ إنسانية لا مجرّد عادةٍ موسمية.
إنّ العيد والحياة وجهان لمعنى واحد؛ فكلاهما دعوةٌ إلى البدء من جديد. فإذا فقد العيدُ روحه تحوّل إلى يومٍ عابر، أمّا إذا عاد إلى معناه الحقيقي صار لحظةً نستعيد فيها إنسانيتنا وذكرايتنا مع من نحب ، ونرمّم ما تصدّع من علاقاتنا، ونمنح الحياة فرصةً أخرى لتكون أجمل.
ولعلّ السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا كلَّ عام ليس: كيف نحتفل بالعيد؟ بل: كيف نعيد للحياة معناها في يوم العيد؟ لأنّ العيد لا يصبح عيدًا إلا حين يوقظ فينا الحياة.
غير أنّ للعيد وجهًا آخر لا يراه إلا من مرّ بتجربة الغياب. حين يرحل من أحببت ، لا يعود العيد كما كان؛ بل تبقى مظاهره كما هي، لكن شيئًا خفيًا ينقصه. كأن المقاعد التي كانت تضجّ بالضحك تصير أكثر صمتًا، والوجوه التي كانت تمنح المكان دفئه تغيب، فيشعر القلب بأنّ الفرح ناقص، ولكن العيد يحمل في طيّاته ذكرى لا تُقال. ومع ذلك، يتعلّم الإنسان مع الزمن أنّ الغائبين لا يغادرون العيد تمامًا؛ فهم يحضرون في الدعاء، وفي الذكريات، وفي تلك اللحظة الصامتة التي يمرّ فيها طيفهم بالقلب فيبتسم رغم الحنين.
يقول محمود درويش:
"ونحن نحبُّ الحياةَ إذا ما استطعنا إليها سبيلا."
أنّ الفرح الحقيقي والعيد هما فرصة لإعادة الاتصال بالحياة والآخرين مرة آخرى .
يا عيدُ إن جئتَ والآمالُ ذابلةٌ
فازرعْ بقلـبِ المدى للأملِ الشُّعُلا
وامسحْ على الناسِ ما قد أثقلوا ألمًا
فالعيدُ خُلِقَ كي يحيي بنا الأَمَلا
إنّه ليس يومًا نمرّ به فقط ، بل حياةٌ نعيد اكتشافها.
حياة لتحيا بها حياة.
الحياة لا تزال قادرة على أن تكون أجمل، إذا أحسنّا النظر إليها. فليس العيد يومًا نمرّ به سريعًا، بل لحظة تمنح قلوبنا فرصةً لتتنفّس من جديد.
وكأنّ العيد يهمس لنا كلَّ عام:
ليس العيدُ ثوبًا جديدًا نرتديه،
ولا صورةً عابرةً نلتقطها؛
بل قلبٌ يعود إلى الحياة،
وروحٌ تتعلّم من الفرح كيف تبدأ من جديد