الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
أحمد حمدي
أحمد حمدي

في لحظات قليلة، يمكن لعبارة واحدة أن تُشعل نقاشًا واسعًا يتجاوز حدود الكلمات إلى عمق العقيدة والهوية. هذا ما حدث تمامًا مع الدعاء الذي ورد في خطبة العيد:

"اللهم بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها( سيدنا الحسن والحسين ) احفظ مصر بالسر المكنون فيها من شر كل لئيم".


لم يكن الدعاء مجرد كلمات عابرة في سياق ديني معتاد، بل تحوّل سريعًا إلى محور جدل حاد على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تباينت التفسيرات وتصارعت القراءات، بين من رأى فيه تعبيرًا مشروعًا عن محبة آل البيت، ومن اعتبره انزلاقًا نحو صياغات تحمل أبعادًا مذهبية.
ومع اتساع رقعة النقاش، لم يعد الأمر مجرد اختلاف فقهي، بل أصبح قضية رأي عام، تكشف كيف يمكن لعبارة دينية موجزة أن تعيد فتح ملفات قديمة، وتثير أسئلة تتعلق بحدود التعبير الديني، ومشروعية التوسل، ودلالة الألفاظ المستخدمة في الدعاء.


"السر المكنون المودع فيها"… المعنى؛ بين اللغة والتفسير

تحمل عبارة "السر المكنون" أبعادًا لغوية وبلاغية عميقة، تجعلها بعيدة تمامًا عن الغموض السلبي أو اللبس. فكلمة "مكنون" مشتقة من الجذر "ك ن ن"، وهو جذر يدل على الستر والحفظ والإخفاء، فيُقال: "كننت الشيء" أي أخفيته وصنته.
وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم في قوله تعالى:
"كأنهن بيض مكنون" (الصافات: 49)،
حيث فسّر العلماء "المكنون" بأنه المصون المستور الذي لم تمسه الأيدي، أي أنه محفوظ في غاية النقاء والصفاء.
وهنا تتضح دلالة مهمة: فـ"المكنون" ليس مجرد شيء مخفي، بل هو مخفي لكونه ثمينًا، محفوظ لكونه ذا قيمة. فالجمع بين الستر والصيانة هو ما يمنح الكلمة قوتها البلاغية.
وعليه، فإن "السر المكنون" في الدعاء يمكن فهمه على أنه "الخير الخفي المحفوظ"، أو "البركة المستترة" التي لا تُرى لكنها موجودة ومؤثرة. ..

(كأن تقول مثلا بسر اسرار الفاتحة بعد دعاءك لميت)

وقد يُقصد به ما أودع الله في بلد ما من خصائص أو خيرات لا يدركها الناس بشكل مباشر، لكنها سبب في حفظه واستقراره.
وبهذا المعنى، فإن التعبير عربي فصيح، وله أصل قرآني واضح، ولا يحمل في ذاته أي دلالة شاذة أو غريبة عن سياق اللغة أو الدين.


هل يجوز التوسل بالصالحين؟

أعاد هذا الدعاء طرح واحدة من أقدم القضايا الخلافية في الفكر الإسلامي: مسألة التوسل.
1. من القرآن الكريم:
يستدل من يجيزون التوسل بقوله تعالى:
"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة" (المائدة: 35)،
حيث يرى بعض العلماء أن "الوسيلة" تشمل كل ما يُتقرب به إلى الله، سواء كان عملًا صالحًا أو دعاءً أو التوسل بأهل الصلاح.
2. من مواقف الأنبياء:
في قصة نبي الله يعقوب عليه السلام، قال أبناؤه:
"يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا" (يوسف: 97)،
فطلبوا منه أن يدعو لهم، وهو ما يُعد دليلًا على جواز طلب الدعاء من الصالحين.
3. اختلاف العلماء:
فريق من العلماء أجاز التوسل بالصالحين، واعتبره من باب التبرك المشروع، بشرط أن يكون الدعاء موجّهًا إلى الله وحده.
وفريق آخر رأى أن الأولى ترك صيغ مثل "بحق فلان" أو "بجاه فلان"، والاقتصار على الدعاء المباشر دون وسائط.
وهذا الخلاف ليس وليد اللحظة، بل هو نقاش ممتد عبر قرون، ظل في إطار الاجتهاد دون أن يحسم بشكل قاطع بين جميع المدارس.


الإمام علي بن أبي طالب: مكانته عند الحبيب صلى الله عليه وسلم
( بعل السيدة فاطمة رضي الله عنها المذكور في الدعاء )

الإمام علي  تربّى في كنف المصطفى منذ الصغر وكان من أول المؤمنين بالإسلام، وشهد معه أهم الأحداث منذ بدء الدعوة. وقد أشاد النبي بمكانته وفضله.

قال عنه: "عليٌ مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي"، كما وصفه قائلاً: "رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسولُه"، مشيرًا إلى أنه مثال للإيمان الخالص وحب الله والرسول، وأن محبته مقرونة بمحبتهما، مما جعله رمزًا للتقوى والإخلاص في تاريخ المسلمين.

وشارك الإمام علي في معظم الغزوات مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأظهر شجاعة وإقدامًا استثنائيين.

ومن أبرز مواقفه البطولية، ما حدث في غزوة أحد، حين بارز عمرو بن الجموح، أحد فرسان قريش البارزين، وواجهه ببسالة وجرأة، ما ساهم في حماية المسلمين وتثبيت صفوفهم. فمكانته عند النبي لم تكن مجرد احترام أو تقدير، بل كانت تعبيرًا عن ثقة عميقة ومحبة صادقة وإيمان بأمانته وشجاعته، وهو ما يجعل محبته واجبًا على المؤمنين ومصدرًا للإلهام والاقتداء للأجيال في التدين والشجاعة.


يكشف الجدل حول هذا الدعاء عن حقيقة أعمق من مجرد اختلاف في الألفاظ، وهي أن القضايا الدينية تظل من أكثر المساحات حساسية وتأثيرًا في وعي المجتمعات. وبين من يرى في الدعاء تعبيرًا عن محبة، ومن يراه خروجًا عن الصياغة المألوفة، يظل المؤكد أن الاختلاف في مثل هذه المسائل يجب أن يُدار بعلم وهدوء، لا بانفعال واتهام.

فالدعاء في جوهره صلة بين العبد وربه تتعدد صوره وتتنوع ألفاظه لكن مقصده واحد.. (مخلصين له الدين).

وأخيرا يبقى السؤال المطروح ؛ إذا كانت صيغة الدعاءصحيحة ولاشئ فيها من الناحية الشرعية أو اللفظية ..فلماذا لم نسمع أحدا يدعوا بها من قبل على منابرنا  في خطب الجمعة على مدار سنوات مضت ؟




تم نسخ الرابط