الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي

أحمد حمدي يكتب: الموهبة من الإرث التربوي الإسلامي إلى كلمة الرئيس

400
أحمد حمدي
أحمد حمدي

أحمد حمدي يكتب: الموهبة من الإرث التربوي الإسلامي إلى كلمة الرئيس… أدوات المعلم لاكتشافها .

في زحام الفصول الدراسية لا يلتفت الانتباه دائمًا إلى ذلك الطالب الهادئ الذي يجلس في الخلف ينهي مهامه بسرعة أو يرفع عينيه متأملًا وكأنه يرى ما لا يراه غيره قد يبدو عاديًا في ظاهره لكنه في داخله يحمل قدرة مختلفة وطاقة كامنة تبحث عن فرصة للظهور.

تمر الأيام ويظل هذا الطالب بين زملائه إما أن يُكتشف فينطلق أو يُهمل فتذبل موهبته تدريجيًا مع مرور الوقت وهنا لا يصبح التعليم مجرد شرح لمقرر خلال العام بل مسؤولية إنسانية عميقة تتعلق بفهم العقول ورعاية الاختلاف . وهذا هو التحدي الأٌقوى في طريق المعلم.

ويبقى السؤال الوجودي الآن مطروحا: كم من موهبة ضاعت لأنها لم تجد من ينتبه لها؟ وكم من عبقرية وُلدت لأن معلمًا واحدًا أحسن الاكتشاف والتوجيه؟ فكيف يمكن للمعلم أن يرى الموهبة بين طلابه، ويبحث عنها بوعي، ثم يتعامل معها ويرعاها دون أن يطفئ وهجها أو يتركها تذبل؟

في احتفالية عيد الأم لتكريم الأم المثالية الرئيس أنهى كلمته المكتوبة على الورق ثم استراح قليلاً متكئًا على الكرسي واضعًا يده اليمنى على أطرافه وكأنه يريد أن يعبر عما يجول في خاطره بكلمات تلقائية قائلاً:" الموهبة ربما تكون موجودة بكثرة لكنها لاتجد الطريق أمام اكتشافها أو رعايتها بشكل مباشر" ... "وأن هذا الوطن به من الكنوز "الموهوبين" بحق ولابد من تسليط الضوء عليها والاعتناء بها.

هذه الكلمات ذكرتني مباشرة بالمحتوى العلمي الذي درسته في كلية التربية بالدبلوم العام عام 2023، في برنامج التأهيل التربوي، حين كان الحديث مقررًا علينا عن رعاية الموهوبين وأساليب اكتشافهم وكيف تناول الفكر التربوي الإسلامي هذه القضية منذ القدم وما هي الطرق العلمية والتربوية التي تساعد المعلم على التعرف على الموهوبين وتنمية قدراتهم بشكل مسؤول.

الموهبة أمانة تُصان في الفكر التربوي الاسلامي

لم يكن الاهتمام بالموهبة في الحضارة الإسلامية أمرًا عارضًا بل كان جزءًا أصيلًا من الرؤية التربوية التي ترى الإنسان طاقة يجب توجيهها لا كبحها فالعلماء الأوائل أدركوا مبكرًا أن الأطفال يختلفون في قدراتهم وأن العدل في التعليم لا يعني المساواة المطلقة بل إعطاء كل ذي قدرة ما يناسبه.

نماذج من التاريخ الاسلامي تتعلق باكتشاف الموهبة مبكرا .

تتجلى هذه الرؤية في نماذج تاريخية مضيئة؛ فموهبة محمد بن إدريس الشافعي لم تُترك للصدفة، بل لقيت رعاية واعية من معلميه الذين أدركوا نبوغه مبكرًا، ففتحوا له أبواب العلم، حتى أصبح إمامًا يُقتدى به.

وكذلك بن سينا، الذي وجدت قدراته من يرعاها ويوجهها، فتهيأت له بيئة علمية ثرية صقلت عقله، حتى صار من أعلام الفكر الإنساني.

ويبرز أيضًا عبد الله بن عباس، الذي تنبّه محمد بن عبد الله إلى ما يحمله من قدرة، فدعمه ووجّهه، فكان من أعلام التفسير والعلم.... فهذه النماذج الموهوبة تؤكد أن الاكتشاف المبكر، والتشجيع، وإتاحة الفرص، كانت ركائز أساسية في التربية الإسلامية، وهي ذاتها التي تقوم عليها أحدث الاتجاهات التربوية اليوم.

ملامح اكتشاف الموهوب في البيئة الصفية أو حجرة الفصل
الموهبة لا تُعلن عن نفسها بوضوح، بل تختبئ في تفاصيل دقيقة؛ في سرعة الفهم، أو في أسئلة تتجاوز المألوف، أو في شغف واضح بمجال معين، والمعلم الواعي هو من يلتقط هذه الإشارات، ويمنحها الاهتمام الذي تستحقه.
إن تنويع أساليب التدريس، وإتاحة مساحة للحوار، وتشجيع التفكير الحر، كلها أدوات تكشف الفروق الحقيقية بين الطلاب، فحين يُسمح للطالب أن يُعبّر، تظهر ملامح تميّزه، ويصبح الاكتشاف عملية طبيعية تنبع من داخل الموقف التعليمي.

مراحل ما بعد الاكتشاف .. "التسريع والإثراء" نموذجاً بعد الاكتشاف تبدأ مرحلة الرعاية وهي المرحلة التي تحدد مصير الموهبة: إما أن تنمو وتزدهر أو أن تتراجع وتخبو.

ومن هذا للمنطلق؛ ظهرت أساليب تربوية حديثة تسعى إلى تلبية احتياجات هؤلاء الطلاب، ومن أبرزها: التسريع والإثراء.

التسريع… استجابة لذكاء يرفض الانتظار

التسريع ليس مجرد تقليص للزمن الدراسي، بل هو فلسفة تربوية تقوم على احترام الفروق الفردية. فالطالب الموهوب يمتلك قدرة على التعلم بسرعة تفوق أقرانه، وإذا أُجبر على السير بنفس الوتيرة، فقد يشعر بالملل ويفقد دافعيته.

ويهدف التسريع إلى منح هذا الطالب بيئة تعليمية تتناسب مع قدراته، من خلال صور متعددة؛ مثل القبول المبكر في المراحل التعليمية، أو تخطي الصفوف، أو دراسة مقررات أعلى من مستواه، أو حتى تقليص مدة الدراسة، فهوفي جوهره لا يسعى التسريع إلى السرعة فقط بل  يحقق التوازن بين قدرة الطالب وما يُقدم له من محتوى علمي في المقرر الدراسي ويفتح آفاقًا أوسع أمام الطالب ويمنحه شعورًا بالإنجاز والتحدي في آن واحد.


الإثراء بأنواعه … يرمز لتعميق الفهم

إلى جانب التسريع، يأتي الإثراء كمسار موازٍ يهدف إلى تعميق تجربة التعلم. فهو لا يدفع الطالب للأمام بقدر ما يفتح أمامه مساحات أوسع داخل نفس المرحلة وذلك من خلال الأنشطة الإضافية، والمشروعات البحثية، والتوسع في الموضوعات، يكتسب الطالب خبرات متنوعة تزيد من عمق معرفته.

وكما تعلمنا أن الإثراء على نوعين قد يكون أفقيًا بإضافة معارف جديدة، أو رأسيًا بالتعمق في موضوع محدد، وفي الحالتين تتشكل لدى الطالب رؤية أوسع وقدرة أعلى على التفكير والتحليل وتكوين الفكر نحو مايتعلمه.

وختاما؛ يبقى التحدي الحقيقي في التطبيق؛ حيث يحتاج المعلم إلى وعي عميق وقدرة على التمييز وإيمان بأن كل طالب يحمل بداخله إمكانية قد تغيّر مستقبله إذا وُجهت بالشكل الصحيح فالاتجاهات الحديثة توضح وتؤكد أهمية مراعاة الفروق الفردية وتشجيع الإبداع من خلال توفير بيئة تعليمية مرنة تحتضن الموهبة.

"وللحديث بقية .. ..فهو ذو شجون".




تم نسخ الرابط