الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي

البحـث عن الهــدوء فـي زمــن الضجيــج الرقمــي!

206
محمد مبارك
محمد مبارك

يبدو أننا نعيش حاليًا في زمن أصبح فيه الهدوء أمرا بعيد المنال. لطالما اعتقدنا أننا اعتدنا على ضجيج الحياة اليومية من ضوضاء الزحام والصخب في الشوارع والأسواق والأصوات العالية في الجدال بين الناس، لكن العالم الرقمي الذي تغلغل في حياتنا قد أتى بأشكال أخرى من الضجيج الذي لا تهدأ حدته. لقد أصبحت الشبكات الاجتماعية مصدرا أساسيا للضجيج في حياتنا، وليس كأي ضجيج بل هو نوع فريد من الضجيج الذي قد لا تعرف من هو الشخص الذي يصدره بالأساس، وما الغرض منه؟!

محمد مبارك 
محمد مبارك 

يبدو أن وسائل التكنولوجيا بدلا من أن تقرب المسافات بيننا وتتيح لنا التعرف على مختلف الآراء ووجهات النظر المختلفة بكل سهولة إذ بها تكون أدوات للصراخ وساحات للصراع وسبُل للانتقام. نستيقظ كل صباح على ضجيج جديد من إنتاج الشبكات الاجتماعية إما بسبب رأي سياسي أو وجهة نظر اقتصادية أو رأي فقهي وفتوى دينية أو نقد فني وأدبي. صار المجتمع في سباق يومي محموم حول من سيكون له السبق في الرد أولًا، ومن سيتصدى قبل غيره لإثبات وجهة نظر معينة، ومن سيُزايد أكثر من غيره، وهكذا.

من الطبيعي أن يكون لكل إنسان وجهة نظر في أي موضوع في الحياة، لكن هل من الطبيعي أن يُعلق الإنسان على كل شيء يحدث حوله صباح مساء؟! هل أصبح الشغل الشاغل لدى البعض هو الرد على كل شيء بعلم وبغير علم، ونطلق ألسنتنا بالطعن في ضمائر الآخرين وفي نياتهم. لعنا لاحظنا أن أداب الحوار وإحترام الرأي باتت من الفضائل المنسية على شبكات التواصل الاجتماعي إلا ما رحم ربي. إنها شهوة الكلام وإرضاء غرور الذات بأننا نفهم في كل شيء ونحسن كل شيء ولا نخطئ أبدا. يبدو أنها كانت فرصة ذهبية لكثيرين ليتحولوا إلى جنرالات في العلوم العسكرية والاستراتيجية وخبراء في الاقتصاد وفقهاء في الدين وخبراء في الأسلحة والمعدات ونقاد في الفن أو التعليق والتحليل الكروي. نعم، قل ما تشاء فلا أحد يراك وأنت خلف شاشة الهاتف أو الحاسوب. إنها فرصتك لتخرج أسوأ ما فيك لتقتل الناس بكلامك الذي لا تستطيع أن تقوله علنا. لا تقلق، فإن الخوارزميات في خدمتك، تستطيع نشر الفضائح وبث الفتن وإنتاج الشائعات في ثوانٍ معدودة لتملأ الأرجاء، وتنال أنت الشهرة التي تتمناها.

إنه الفخ الذي أوقعتنا فيه التكنولوجيا تحت شعار حرية التعبير. توهمنا أن حرية التعبير تعني جلب المزيد من الضجيج إلى حياتنا بالحديث ليل نهار في كل قضية تحدث في العالم شرقًا وغربًا على مدار الساعة. ليتنا نتأمل في تلك الأوقات الضائعة والطاقات المهدرة ونوجهها في لم الشمل ونشر الفضائل وجبر الخواطر وتسليط الضوء على نماذج حقيقية تحاول زراعة الأمل في حياتنا. إن الصمت فضيلة عظيمة للغاية، فهو قادر على وأد الفتن وقتل الباطن وإيقاف توغل الكراهية في النفوس.

ربما هي فرصة - من وجهة نظري - أن نستريح قليلًا من ذلك الضجيج الرقمي ونستعيد التوازن حتى نفكر بأذهان صافية لا تحركها عواصف الجدال والرغبة في الانتقام. إن الهدوء بلا شك هو فرصة لنقَيم تصرفاتنا وندرك بحق أن الفضاء الإلكتروني هو مجرد واقع افتراضي له جوانب عديدة مظلمة. إن الواقع الافتراضي مهما بلغت درجة تطوره فلن يكون بديلا عن واقعنا الحقيقي الذي نحيا فيه بمشاعرنا، والذي تَصنع فيه الأمم المتحضرة إنجازاتها وتبني فيه قوتها وتحقق رفاهية شعوبها في هدوء.




تم نسخ الرابط