الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي

الشخصيـة اليــابـانية والطبيعـة.. علاقـة احتــرام وتنــاغم

251
محمد مبارك
محمد مبارك

إن من أشهر المعلومات التي يعرفها أي إنسان عن اليابان هي طبيعتها الجغرافية المعقدة نتيجة تكونها من مجموعة من الجزر المختلفة. لكن الأمر بالنسبة للشعب الياباني لم يكن مجرد مساحة محددة من الأرض يعيش عليها ويمارس أنشطته المختلفة. لقد نشأت الشخصية اليابانية على احترام الطبيعة والسعي للتكيف معها والعناية بها لا الاشتباك معها. من هذا المنطلق تشكلت الشخصية اليابانية والتي كان أحد أهم روافدها هي علاقتها بالطبيعة، حتى صار التأمل في الطبيعة جزءًا مهمًا من الحياة اليومية للشخصية اليابانية.

محمد مبارك 
محمد مبارك 

استشعر الياباني منذ القدم التنوع المناخي والتباين في التضاريس الذي يميز أرض اليابان. استوعب الفرد الياباني أثر ذلك التنوع على نمط حياته ومدى تأثيره على ثقافته الشخصية ورؤيته للعالم من حوله. وقد انعكس ذلك بلا شك على رؤيته الدينية عن طريق تقديس الطبيعة. وبعيدًا عن الجانب الديني للشخصية اليابانية في تفسير الظواهر الكونية والتي هي جزء أصيل من عقيدة الــ "شنتو"، وهي الديانة الأصلية للشعب الياباني، فإن ما يهمنا هو طريقة تعاطي الشعب الياباني مع الطبيعة ودورها في سلوكياته المتحضرة. يستطيع من ذهب إلى اليابان أن يخبرك بالكم الهائل من المهرجانات الثقافية التي تحتفي بالطبيعة، والمؤتمرات وورش العمل البيئية المستمرة التي تقيمها الجمعيات اليابانية، والرحلات التي تنظمها المؤسسات اليابانية لمختلف الأعمار للخروج إلى الطبيعة.

يهتم اليابانيون بالتفاعل والتواصل مع الطبيعة بدرجة مثيرة للانتباه، لدرجة أن لديهم عطلة رسمية للاحتفال بجبال اليابان. لقد وصلوا إلى المعادلة المتوانة في علاقتهم مع الطبيعة، وهي أن الإنسان لا يجب أن يقهر الطبيعة لكي يحيا في أمان، بل الاستفادة منها والحرص على تنميتها وفي نفس الوقت الاستعداد الجيد للحماية من غضبها. بالفعل، إن السر عندهم هو التعايش مع الطبيعة فهي هبة لا يمكن للإنسان أن يفرط فيها، وينبغي أن تكون مصدرا لسعادته ورخائه لا تعاسته. ومن اللافت أيضًا أنه على الرغم من التطور المذهل الذى حققته اليابان في كل المجالات، إلا أنها كانت تتسلح بالوعي الفطري لدى شعبها للحد من الأثار السلبية لذلك التقدم على البيئة الطبيعية.

اعتاد الياباني على تقدير كل شيء منحته له الطبيعة. يُقدر الشعب الياباني الفصول بتغيراتها وتقلباتها ويحتفي بها، كما يهتم بتقدير الأرض الزراعية ويتفنن في عمل مهرجانات للاحتفال بمواسم الحصاد. لا يزال الشعب الياباني في هذا العالم الصاخب يُقدر قيمة البيئة من حوله ولا يمل من مدح صوت خرير الماء ورائحة الزهور ووصف تغير شكل الأشجار من فصل إلى فصل، ويتضح ذلك جليًا في الأدب والشعر الياباني. اعتاد اليابانيون في حياتهم اليومية على ثقافة الحد من الهدر في الموارد فضلًا عن تعاملهم القوي مع أي شخص يسيء للبيئة أو يسبب ضررًا للنبات. وبالرغم من حاجة الشعب الياباني للأخشاب وما نتج عنه من إزالة مساحات واسعة من الغابات في فترة من الفترات، إلا أن اليابان سرعان ما عدلت المسار بالوقوف ضد سياسة إزالة الغابات حكوميًا وشعبيًا، ووضع برامج لحماية المتنزهات الوطنية والحيوانات البرية.

أدركت اليابان أن البداية لترسيخ علاقة الانسان بالطبيعة ينبغي أن تبدأ من مرحلة الطفولة المبكرة. يتربى الطفل الياباني في المدرسة على مبادئ لا تتغير وهي أن البيئة جزء لا يتجزأ من رفاهية الإنسان، وأن الطبيعة ليست خصما أو عدوا، وربما يفسر ذلك الهوس الياباني بثقافة التدوير والعناية الفائقة بالنظافة وتقدير قيمة الأشياء حتى الجمادات. حتى الفنون اليابانية لم تخلُ من الاهتمام بالطبيعة، فهناك فنون مثل فن العناية بالحدائق وفن تنسيق الزهور وفن رعاية الأشجار، وغير ذلك. من ناحية أخرى كان التغير المناخي أحد الأسباب الحديثة التي زادت من ارتباط الإنسان الياباني بالطبيعة. لقد طالت اليابان عدد من الكوارث الطبيعية الحادة التي جعلت الأمة اليابانية تزداد صرامة في التعامل مع الطبيعة باحترام وعدم إساءة استغلال مواردها، والتطبيق الدقيق لمبادئ التنمية المستدامة. راحت اليابان تعتمد بصورة متزايدة على مصادر الطاقة المتجددة، كما تعمل على تصدير خبراتها المذهلة في هذا المجال للعالم.

لسنا هنا نهدف إلى وصف اليابان بالمجمتع المثالي أو لتمجيد الشخصية اليابانية، ولكننا فقط نلقي الضوء على علاقة شعب عريق بالطبيعة من حوله أدت إلى وصوله لدرجة التناغم الشديد معها. لا جدال في أن علاقة الشعب الياباني مع الطبيعة من الأشياء الملهمة التي ينبغي لشعوبنا العربية أن تَدرسها بتعمق. إن علاقة أي شعب بالطبيعة هي من إحدى مظاهر التحضر والرقي لذلك الشعب. لم يقطع الشعب الياباني صلته بالطبيعة نتيجة تطوره الصناعي والتكنولوجي الهائل، بل سعى لزيادة التعمق في ماضيه وتراثه للتوفيق بين احترامه للطبيعة المتجذر في سلوكياته وبين السعي المستمر نحو الازدهار والتقدم.




تم نسخ الرابط