الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي

حين يصمت الحب… يبدأ التفكك الأسري في الخفاء

322
الدكتور أحمد الدريني
الدكتور أحمد الدريني

لا يبدأ التفكك الأسري عادةً بحدث صادم أو خيانة مفاجئة كما يظن الكثيرون، بل يتسلل بهدوء عبر مساحات الصمت التي تتسع يومًا بعد يوم داخل العلاقة. من منظور نفسي، يُعد انقطاع الحوار أول مؤشرات الخطر؛ فحين يتراجع التواصل الصادق، يفقد كل طرف قدرته على فهم احتياجات الآخر، وتبدأ الفجوة العاطفية في التشكل تدريجيًا.
في البداية، قد يبدو الأمر بسيطًا: كلمة لم تُقل، اهتمام تأجل، أو مشاعر لم تجد من يصغي إليها. لكن هذه التفاصيل الصغيرة، حين تتكرر دون معالجة، تتحول إلى تراكمات نفسية تُثقل كاهل العلاقة. ومع الوقت، يتحول الاهتمام من تعبير تلقائي عن الحب إلى مجرد واجب روتيني، وتفقد العلاقة دفئها الإنساني، ليشعر كل طرف أنه يعيش في عزلة رغم وجود الآخر.
الرجل لا يتجه إلى الخارج بحثًا عن الاهتمام بشكل مفاجئ، والمرأة لا تفقد ارتباطها ببيتها دون أسباب عميقة؛ بل إن كليهما قد ينجرفان نحو ذلك نتيجة فراغ عاطفي متزايد. هذا الفراغ لا يُقاس بغياب الأشخاص، بل بغياب التقدير والاحتواء والدعم النفسي. وهنا تكمن الخطورة، إذ يبدأ البعض في البحث عن تعويض خارجي بدلًا من مواجهة الخلل الداخلي وإصلاحه.
الحقيقة المؤلمة التي تؤكدها الدراسات النفسية أن معظم العلاقات لا تنهار بسبب أزمة واحدة كبيرة، بل نتيجة إهمال مستمر لتفاصيل صغيرة كان يمكن احتواؤها في بدايتها. فالمشكلات التي لا تُناقش لا تختفي، بل تتراكم حتى تتحول إلى حواجز نفسية يصعب تجاوزها.
إصلاح العلاقة ليس أمرًا معقدًا بقدر ما هو بحاجة إلى وعي وإرادة. يبدأ ذلك بالإنصات الحقيقي قبل إصدار الأحكام، وبإظهار الاهتمام قبل أن تتسع المسافات، وبالاحتواء قبل أن تتجمد المشاعر. كما أن مواجهة الخلافات بشفافية، بدلًا من تجاهلها، تمثل خطوة أساسية نحو استعادة التوازن العاطفي.
الأسرة لا تنهار فجأة، بل تُهمل تدريجيًا حتى تفقد قدرتها على الصمود. لذا، فإن الحفاظ على العلاقات يتطلب رعاية مستمرة، فالعلاقات التي تُغذى بالاهتمام والتقدير لا تبحث عن بدائل، بل تنمو وتزدهر رغم التحديات.




تم نسخ الرابط