الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
الصحفي أحمد حمدي
الصحفي أحمد حمدي

ليست كل قصص النجاح تُروى في قاعات الاحتفالات، ولا كل لحظات التكريم تبدأ على المنصات؛ فبعضها يُصنع في صمت البيوت، وبين دعوات الأمهات، وفي تفاصيل صغيرة لا يلتفت إليها كثيرون… لكنها عند الله عظيمة.


قدوة لكل أم

ومن هذا المعنى العميق، جاء تكريم محافظة الجيزة للأم المثالية هذا العام، ليكشف عن قصة كفاح حقيقية، لا تُقاس بالشهادات ولا تُختصر في كلمات، بل تُروى بالعطاء والصبر والإيمان.


قصة الحاجة صفية 

فهذه الأم الفاضلة، الحاجة صفية، من قرية المناوات، إحدى قرى  محافظة الجيزة، لم تكن مجرد اسمٍ في قائمة المكرّمين، بل كانت قصة حياة تُدرّس في الصبر والإرادة، وقد جاء تكريمها برعاية مجلس الشباب المصري، ليكون تقديرًا مستحقًا لمسيرة طويلة من العطاء الصامت.


تحمل المسؤولية الصعبة

كانت الحاجة صفية سيدة أرملة من قرية المناوات، تحملت مسؤولية تربية أبنائها وحدها في ظروف لم تكن سهلة، لكنها لم تسمح يومًا لتلك الظروف أن تهزمها.


وبرغم أنها لم تنل قسطًا كبيرًا من التعليم، ولم تتجاوز معرفتها حدود القراءة والكتابة، فإنها امتلكت وعيًا عظيمًا بقيمة العلم، وإيمانًا راسخًا بأن الأبناء أمانة لا بد أن تُربّى على الخير.


تعليم الأبناء جميعاً
أصرّت السيدة العظيمة على تعليم أبنائها، وجعلت من ذلك هدفًا لا تتراجع عنه، بل وتجاوزت ذلك إلى ما هو أعظم؛ فغرست فيهم حب كتاب الله، وحرصت على تحفيظهم القرآن الكريم، وتربيتهم على معانيه وقيمه، حتى أثمرت هذه التربية المباركة ثمارًا يانعة؛ فأصبح أحد أبنائها إمامًا وخطيبًا بوزارة الأوقاف، يعتلي المنابر داعيًا إلى الله، وأصبح الآخر معلمًا للقرآن، يربي أجيالًا على الأخلاق والإحسان.


برّ الابن حسام

وقد كان لي شرف التعرف عن قرب على هذه الثمرة الطيبة، من خلال صداقتي بابنها “حسام”، حيث تزاملنا خلال العام الدراسي 2023 في الدبلوم العام التربوي بجامعة الأزهر. وأذكر جيدًا أيام الامتحانات، حين اعتكفنا على مراجعة مادة (الوسائل التعليمية)، وكانت تلك الساعات كاشفة لمعادن النفوس؛ ففي خضم الانشغال والضغط، رأيت من حسام صورة صادقة من البرّ؛ حرصًا دائمًا على الاطمئنان على والدته، وسعيًا جادًا لنيل رضاها، وكأن ذلك مقدم على كل شيء.

الابن حسام من تكريم الام المثالية 
الابن حسام من تكريم الام المثالية 


إخلاص الأبناء للأم

ولم يكن هذا الخلق مقصورًا عليه وحده، بل بدا واضحًا في إخوته جميعًا، في صورة من التفاني الصادق في برّهم بأمهم، مما يعكس تربية واحدة وروحًا متشابهة. وأدركت حينها أن هذا ليس أمرًا عابرًا، بل هو ثمرة سنوات من الكفاح، والكدّ، والتعب، والتضحيات التي بذلتها هذه الأم الفاضلة من أجل أبنائها، حتى غرست فيهم هذا الخلق النبيل.


أويس القرني مثالاً في البر
 

وهنا، تبرز في الأذهان قصة عظيمة من تراثنا الإسلامي، قصة أويس بن عامر القرني، ذلك الرجل الذي لم يكن معروفًا بين الناس، لكنه كان عظيمًا عند الله.

كان أويس رجلًا بسيطًا من أهل اليمن، عاش حياة خفية، لكنه بلغ منزلة عالية ببرّه بأمه، كانت أمه مريضة، وكان يلازمها ويخدمها ليلًا ونهارًا، لا يتركها ولا يقصّر في حقها.

وقد اشتاق يومًا لرؤية النبي ﷺ، لكن حين تعارض هذا الشوق مع بقائه بجوار أمه، اختار أن يظل معها، مقدمًا رضاها على أعظم أمنياته؛فكان هذا الإخلاص سببًا في رفعة شأنه؛ حتى إن النبي ﷺ أثنى عليه أمام الصحابة، وذكر لهم فضله، وأخبرهم أن من لقيه فليطلب منه الدعاء. وقد أدرك عمر بن الخطاب هذه المنزلة، فكان يسأل عنه ويبحث عنه ليطلب منه الدعاء، تقديرًا لمكانته التي بلغها ببرّه بأمه.
وهكذا، صار أويس مثالًا خالدًا، يثبت أن أعظم الأعمال قد تكون خفية، وأن برّ الأم طريق يرفع الله به صاحبه درجات لا يبلغها بغيره.

نماذج واقعية
 

وإذا نظرنا إلى واقعنا، وجدنا أن هذه القيم لا تزال حية، تتجسد في نماذج صادقة مثل الحاجة صفية، التي لم تكتفِ بأن تكون أمًا، بل كانت مدرسة، وربّت رجالًا صاروا نورًا لغيرهم.
إن تكريم هذه الأم ليس مجرد احتفال، بل رسالة عميقة لكل واحدٍ منا، بأن البر ليس خيارًا، بل طريق نجاة، وأن رضا الأم باب من أبواب التوفيق التي قد تغيّر حياة الإنسان كلها.


فرص البرّ الثمينة
 

فيا تُرى… كم من الفرص ضاعت منا ونحن نؤجل كلمة طيبة لأمهاتنا؟ وكم من أبواب الخير يمكن أن تُفتح لنا لو بدأنا من هنا؟

 




تم نسخ الرابط