الأحد 14 يونيو 2026 الموافق 28 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
أحمد حمدي
أحمد حمدي

يقضي الإنسان سنوات من عمره في رحلة البحث عن الزوجة الصالحة. ينتقل من بيت إلى بيت، ويتحمل من عناء السؤال والاستخارة والتفكير ما يتحمل، حتى إذا وفقه الله إلى الزوجة التي يرتضي دينها وخلقها بدأ فصلًا جديدًا من حياته. ينشغل حينها بتأسيس البيت وتجهيزه، ويحرص على أن يكون كل شيء فيه على أحسن حال، فيبذل المال والجهد والوقت ليبني بيتًا يليق بأسرته ومستقبل أبنائه.

فرحة مجئ الولد


ثم يرزقه الله بعد ذلك بالأبناء، فتفيض نفسه فرحًا وسعادة، ويعيش أجمل اللحظات وهو يرى طفله يكبر أمام عينيه يومًا بعد يوم. غير أن كثيرًا من الآباء يقعون في خطأ خطير دون أن يشعروا؛ فبعد أن كانوا منشغلين بتأسيس البيت، يصبحون منشغلين بتوفير متطلبات الحياة، فيغرقون في أعمالهم وأسفارهم وتجاراتهم، حتى يجد الأب نفسه قد ابتعد عن أهم مسؤولية ألقاها الله على عاتقه، وهي تربية أبنائه ورعايتهم وتوجيههم.

التربية ليست طعاما وشرابا

والمؤلم أن بعض الآباء يظنون أن مسؤوليتهم تنتهي عند توفير الطعام والشراب والملبس والتعليم، بينما الحقيقة أن هذه ليست إلا جزءًا من المسؤولية. أما الجزء الأعظم فهو بناء شخصية الابن، وغرس القيم في نفسه، ومتابعة سلوكه وأخلاقه وعلاقته بربه.

التفريط في الرعاية والتوجيه

لقد حذرنا الله سبحانه وتعالى من التفريط في هذه الأمانة فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة﴾. فالأب مطالب بأن يحفظ أبناءه من أسباب الضياع، وأن يرعاهم بالتوجيه والتربية والمتابعة، لا أن يتركهم نهبًا للشارع أو للأجهزة الذكية أو لرفقاء السوء أو للأفكار المنحرفة التي تتسلل إليهم عبر وسائل متعددة.


تحديات التربية الصالحة

وفي زماننا هذا أصبحت التحديات أكبر من أي وقت مضى. فالموبايل أصبح رفيقًا دائمًا لكثير من الأبناء، ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تشارك الأسرة في التأثير عليهم، بل ربما تفوقت عليها في بعض الأحيان. ولذلك فإن غياب الأب أو الأم عن متابعة الأبناء لم يعد أمرًا بسيطًا يمكن تجاوزه، بل قد تكون له آثار خطيرة على مستقبلهم وأخلاقهم ودينهم

أثر التربية الصالحة

وقد بيّن النبي ﷺ عظم هذه المسؤولية بقوله: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». فالرعاية ليست كلمات تُقال، ولا أوامر تُعطى، وإنما هي حضور ومتابعة واهتمام وقدوة. فالولد يتأثر بما يراه من والديه أكثر مما يتأثر بما يسمعه منهما، ولهذا كانت التربية بالقدوة من أعظم وسائل التربية أثرًا ونجاحًا.
ومن أروع النماذج التي تبين أثر التربية الصالحة ما جاء في قصة المرأة التي سألت النبي ﷺ عن أمها التي ماتت فجأة، وقالت: "أظنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟" فأذن لها النبي ﷺ بذلك. وعندما نتأمل هذا الموقف نجد أن هذه الابنة لم تنس أمها بعد وفاتها، بل سارعت إلى البحث عما ينفعها في آخرتها.
وهذا يدل على أن الأم غرست فيها معاني البر والوفاء والإحسان، فكانت ابنتها ثمرة طيبة لتربية مباركة.


التربية الصالحة تظهر بعد الموت

إن التربية الحقيقية هي التي تستمر آثارها حتى بعد الموت. ولذلك قال النبي ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». فكم هو جميل أن يكون ولدك سببًا في زيادة حسناتك وأنت في قبرك، وأن يكون امتدادًا لعملك الصالح بعد رحيلك عن الدنيا.

أكثر مايؤلمني
ومن خلال عملي في تعليم القرآن الكريم وإشرافي على حلقات التحفيظ، أقف كثيرًا أمام مواقف تدعو إلى التأمل والحزن في الوقت نفسه. فإني أحرص دائمًا على التواصل مع أولياء الأمور، وأتابع معهم مستوى أبنائهم في الحفظ والمراجعة، وأبين لهم جوانب القوة والضعف وما يحتاجه الطالب من دعم ومساندة داخل المنزل.

شهرا بدون متابعة 

لكن ما يؤلمني أحيانًا أن أرى بعض الطلاب يمر عليهم أسبوع بعد أسبوع، بل وربما شهر كامل أو أكثر، دون أي تقدم يُذكر، لا لضعف في قدراتهم ولا لقلة ذكائهم، وإنما بسبب غياب المتابعة من الأسرة. فالمعلم مهما بذل من جهد داخل الحلقة، ومهما امتلك من وسائل التربية والتعليم، يبقى بحاجة إلى شريك حقيقي في البيت يكمل مسيرته. ولذلك أؤمن دائمًا أن نجاح الطالب لا يصنعه المعلم وحده، بل هو ثمرة تعاون بين الحلقة والبيت، وبين المعلم وولي الأمر، فهما كجناحي طائر لا يستطيع التحليق إلا بهما معًا.

متابعة الأبناء فرض

إن كثيرًا من الأبناء يمتلكون قدرات عظيمة، لكنهم يحتاجون إلى من يتابعهم ويشجعهم ويحتضن مواهبهم ويغرس في نفوسهم معاني الانضباط والجدية. وما أجمل أن يجد الابن في والده المربي والقدوة والصديق، لا مجرد شخص يوفر له احتياجاته المادية ثم يغيب عن تفاصيل حياته.

البيوت لاتبنى بالحجارة

وفي النهاية، فإن البيوت لا تُبنى بالإسمنت والحجارة وحدها، وإنما تُبنى قبل ذلك بالإيمان والقيم والتربية الصالحة، وقد يترك الأب لأبنائه بيتًا واسعًا وأموالًا كثيرة، لكن أعظم ما يمكن أن يتركه لهم هو حسن التربية وصلاح الدين واستقامة الأخلاق.
فافعل هذا واحرص عليه واستدرك الأمر قبل أن تكون باهمالك لتربية ابناءك كمن يصنع قنبلة في بيته وهو المذنب..!!




تم نسخ الرابط