الأربعاء 24 يونيو 2026 الموافق 09 محرم 1448
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
الطلاق بين حقوق الزوجين
الطلاق بين حقوق الزوجين وغياب “الفضل” في الحياة الزوجية

الطلاق نتيجة مباشرة للخلافات أم لغياب الفهم الحقيقي للعلاقة؟

يُنظر إلى الطلاق غالبًا بوصفه نتيجة مباشرة للخلافات الزوجية أو الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، غير أن الواقع يكشف عن سبب أكثر عمقًا وتأثيرًا، يتمثل في الطريقة التي يفهم بها الزوجان طبيعة العلاقة الزوجية وأسس بنائها. فمع انتشار ثقافة "حقي وحقك" بوصفها المرجعية الوحيدة للحياة الأسرية، أصبحت بعض العلاقات تُدار بمنطق المحاسبة لا بمنطق المودة، وبروح المطالبة لا بروح العطاء

العدل وحده لا يكفي لاستمرار الحياة الزوجية

ومن منظور نفسي واجتماعي، فإن الحياة الزوجية لا تستقيم بالعدل وحده، رغم أهميته وضرورته، بل تحتاج إلى ما هو أسمى من العدل، وهو الفضل. فالقرآن الكريم لم يكتف بالدعوة إلى العدل بين الناس، بل أشار إلى قيمة أرقى هي قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ وهذه القيمة تمثل الركيزة الحقيقية لاستمرار العلاقات الإنسانية، وخاصة العلاقة الزوجية التي تقوم في جوهرها على المودة والرحمة والتسامح.

غياب الفضل سبب خفي وراء الطلاق

إن الطلاق في كثير من الأحيان لا ينشأ من ضياع الحقوق بقدر ما ينشأ من غياب الفضل. فعندما يصبح كل طرف منشغلًا بما له أكثر من انشغاله بما عليه، تتحول الحياة المشتركة إلى ساحة للمطالبة المستمرة، وتتراجع مشاعر الاحتواء والتقدير، ويصبح الخلاف أكثر حضورًا من التفاهم، حتى وإن كانت الحقوق محفوظة شكليًا.

الزواج شراكة إنسانية تحتاج إلى تفاهم وتنازلات

والحقيقة أن الزواج ليس علاقة بين شخصين كاملين، بل شراكة بين إنسانين لكل منهما نقاط قوة وضعف. لذلك فإن نجاح العلاقة لا يعتمد على عدالة التوزيع فقط، وإنما يعتمد على قدرة كل طرف على تقديم التنازلات الإيجابية، وتجاوز الهفوات الصغيرة، وتغليب مصلحة الأسرة على الرغبات الآنية. وهنا يتجلى معنى الفضل بوصفه سلوكًا يوميًا يترجم الحب إلى أفعال، ويجعل من التضحية والإيثار أدوات لبناء الاستقرار الأسري.

اختيار شريك الحياة قرار مصيري لا يعتمد على العاطفة وحدها

كما أن اختيار شريك الحياة يظل من أهم القرارات المصيرية التي يتخذها الإنسان بإرادته الحرة. فالإنسان لا يختار والديه ولا أبناءه ولا إخوته، لكنه يختار شريك العمر الذي سيشاركه تفاصيل حياته وأحلامه وتحدياته. ومن هنا تأتي أهمية حسن الاختيار القائم على النضج النفسي والتوافق الفكري والقيمي، لا على الانبهار المؤقت أو العاطفة العابرة.

استمرار الزواج لا يقل أهمية عن حسن الاختيار

غير أن حسن الاختيار وحده لا يكفي، فالمحافظة على الاختيار لا تقل أهمية عن الاختيار نفسه. فالعلاقة الزوجية الناجحة تحتاج إلى وعي مستمر وجهد متبادل وصبر على اختلاف الطباع والظروف. كما تحتاج إلى إدراك أن بعض المواقف لا تُحسم بمنطق المكسب والخسارة، وإنما بمنطق الحفاظ على الأسرة واستقرارها.

إعادة بناء الثقافة الزوجية مفتاح مواجهة الطلاق

إن مواجهة ظاهرة الطلاق لا تبدأ من المحاكم أو القوانين، بل تبدأ من إعادة بناء الثقافة الزوجية ذاتها. فكلما ترسخت قيم المودة والرحمة والإيثار والتضحية، وتراجع هوس المطالبة بالحقوق بمعزل عن الواجبات، ازدادت فرص نجاح الحياة الزوجية واستقرار الأسرة.

الأسرة لا تحكمها الحسابات بل يحفظها “الفضل”

فالأسرة لا يحفظها العدل وحده، بل يحفظها الفضل، ولا تستمر بالمحاسبة الدقيقة فقط، بل تستمر بالحب الذي يمنح أكثر مما يأخذ، وبالقلوب التي تدرك أن أجمل العلاقات هي تلك التي تقوم على العطاء المتبادل لا على الحسابات المتبادلة.




تم نسخ الرابط