الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي

العشق الممنوع.. «سنوات عجاف تطفئها كلمة حب»

294
الصحفية آية علاء
الصحفية آية علاء

العشق الممنوع.. «سنوات عجاف تطفئها كلمة حب» .

تسعة عشر عامًا مرّت، وما زال قلبه عالقًا عند اللحظة نفسها التي انكسرت فيها الحكاية، حاول أن يقنع نفسه أن الزمن كفيل بإغلاق الجراح، وأن العمل الشاق كفيل بإسكات أي صوت قديم، لكنه كلما انغمس بين أوراقه وصفقات نجاحه، وجدها تطلّ عليه من بين السطور.

لم تكن ذكرى باهتة، بل حضورًا كاملًا يسأله بصوتها الواضح: هل أنت قادر على التحدّي؟،  كان يهرب إلى الطموح كلما داهمه الحنين، يكدّ ليلًا ونهارًا، يصعد درجات المجد درجةً تلو الأخرى، حتى صار اسمًا يُشار إليه بالإعجاب، ومع ذلك، ظل داخله جزء مهزوم، يقف عند جملة واحدة أنهت كل شيء يومًا: «واخداه بمزاجي… محدش أجبرني عليه».

لم تقتله كلماتها، لكنها غيّرت مسار حياته،  جعل منها هدفًا سريًا لا يعلمه أحد: أن ينجح حتى تندم، أن يصبح الرجل الذي تخسره إلى الأبد. حقق الكثير، بنى عملًا وأسرةً، وصار مثالًا للاستقرار، إلا أن قلبه لم يوقّع يومًا على عقد النسيان، كان يبحث عنها في وجوه العابرين، يقارن ضحكات النساء بضحكتها، ويقيس دفء أي علاقة جديدة بحرارة تلك الذكرى القديمة،  مرت سنوات عجاف بلا حب حقيقي، كأنه يعاقب نفسه على عجزه عن تجاوزها.

وفي ليالٍ كثيرة، كانت تزوره في المنام. يسمعها تهمس بندمٍ واضح: «بحبك… ولسه بحبك»،  يستيقظ مرتبكًا بين أملٍ يربكه وغضبٍ يسخر منه، هل هي رسائل خفية من قلبها فعلًا؟ أم مجرد أوهام يصنعها عقله ليبرر شوقًا لم يخمد؟،  كان يدخل في نوبات بكاء صامتة؛ مرة لأن الشوق ما زال حيًا، ومرة لأنه يكره ضعفه أمام امرأة اختارت غيره بإرادتها.
وذات يوم، قرر أن يغامر بكل ما بناه، جلس طويلًا أمام حسابها، يتأمل صورتها ويتساءل إن كانت تتذكره كما يفعل هو،  تردد كثيرًا قبل أن يكتب، خشي أن يكتشف أنه عاش وهمًا امتد تسعة عشر عامًا.
 ضغط زر الإرسال في النهاية، وجاء الرد،  بدأ الحديث مترددًا، كأن الكلمات تخشى الخروج، ثم عاد الدفء تدريجيًا، وعادت معه الأسئلة المؤجلة،  لم يحتمل الدوران طويلًا، فكتب أخيرًا ما ظل يحترق داخله كل هذه السنين: لماذا أطحتي بحياتنا؟ كان السؤال أكبر من عتاب، وأعمق من رغبة في الانتقام؛ كان محاولة أخيرة لفهم قلبٍ لم يتوقف يومًا عن حبها، رغم كل ما حدث.

الوجه الآخر للعاشقة

حين واجهها بالسؤال الذي ظل يحترق داخله تسعة عشر عامًا، لم تهرب هذه المرة. لم تختبئ خلف الصمت ولا خلف جملة مقتضبة كما فعلت قديمًا،  قالت بصوتٍ بدا أهدأ من قلبها: كنت أصغر من أن أتحمّل مواجهة الجميع. كنت فتاة تخاف أن تقول “لا” في بيتٍ لا يُسمع فيه سوى صوت العائلة. لم أكن أملك شجاعة أن أختارك ضدهم جميعًا، فاخترت السلامة… أو هكذا ظننت.

اعترفت أنها لم تكن ضحية إكراهٍ مباشر، لكنها كانت أسيرة خوفها، وأسيرة صورةٍ رسمها لها الآخرون عن “الحياة المناسبة”. سارت مع التيار، وتزوجت الرجل الذي أرادوه، وعاشت كما يُفترض أن تعيش زوجة ناجحة. قالت إنها عاشت بجسدها فقط، تؤدي دورها كاملًا، تبتسم في المناسبات، تشارك التفاصيل اليومية، لكن قلبها ظل في مكانٍ آخر. ظل حيث تركته أول مرة، عند الشاب الذي أحبته ولم تدافع عنه.

طوال تسعة عشر عامًا، كانت تراقبه من بعيد،  لم تجرؤ على الاقتراب، لكنها لم تستطع الابتعاد. كانت تعرف أخباره كما يعرفها المقربون؛ تتابع نجاحه خطوة بخطوة، تفرح بصعوده، وتبكي في صمتٍ كلما قرأت عن إنجاز جديد يثبت لها أنها خسرت رجلًا استثنائيًا. لم يكن فضولًا عابرًا، بل حنينًا يوميًّا تعيشه سرًا،  قالت إنها كانت تحلم بكلمةٍ منه، برسالة مفاجئة، بأي إشارة تؤكد أنه لم ينساها تمامًا.

كان يراودها في يومها قبل ليلها،  تراه في ملامح الغرباء، تسمع صوته في تفاصيل عابرة، وتستعيد ضحكته كلما شعرت بالاختناق. عاشت حبيسة ذكرياتها، تمارس حياتها كما يجب، بينما قلبها مؤجل عند قصة لم تكتمل،  لم تكن تملك الجرأة على كسر واقعها، لكنها لم تملك أيضًا القدرة على دفن ماضيها.

وحين التقته أخيرًا، لم تستطع الحفاظ على تماسكها الذي درّبت نفسها عليه سنوات. تلاشت المسافات في لحظة، وسقطت الأقنعة التي ارتدتها طويلًا،  انفجرت شوقًا، لا كفتاةٍ عابرة في حياته، بل كامرأة عاشت عمرًا كاملًا تنتظر تلك اللحظة. كان اللقاء بالنسبة لها اعترافًا متأخرًا، ودموعها لم تكن ضعفًا، بل خلاصة تسعة عشر عامًا من الصمت والندم والحب المؤجل.




تم نسخ الرابط