الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي

آية علاء تكتب: مذبحة بحر البقر.. من إيران نحدثكم

627
الصحفية آية علاء
الصحفية آية علاء

آية  علاء تكتب: مذبحة بحر البقر.. من إيران نحدثكم .

في صباحٍ كان يفترض أن تمتلئ ساعاته بجرس الحصة الأولى وضحكات الصغيرات، اصطفّت الحقائب على المقاعد الخشبية داخل مدرسة ابتدائية جنوبي إيران، دفاتر مفتوحة على حروفٍ لم تكتمل، وأقلام ملوّنة تنتظر أن ترسم شمسًا فوق بيتٍ صغير. لكن السماء سبقت الرسمة.
سقط القصف فجأة، وسقطت معه براءة 51 طالبة،  امتزج غبار الطباشير برائحة الدخان، وتحوّلت ساحة المدرسة إلى لوحةٍ رمادية تختصر قسوة الحرب حين تطرق أبواب الطفولة بلا استئذان،  لم تكن هناك ثكنة عسكرية، ولا موقع إطلاق نار، فقط فصل دراسي يحتمي بجدرانٍ ظنّها أهله آمنة.
المشهد، بكل تفاصيله، أعاد إلى الذاكرة صورةً أخرى لا تزال محفورة في وجدان المصريين: قصف مدرسة بحر البقر في محافظة الشرقية يوم 8 أبريل 1970، خلال حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل، يومها أيضًا، لم تكن المدرسة هدفًا عسكريًا. كانت مساحةً للعلم والأمل، قبل أن تتحول في لحظة إلى ركام وصرخات وحقائب ملطخة بالتراب.
في بحر البقر، كما في القرية الإيرانية، كانت الأمهات ينتظرن عند البوابة. آباء يحدّقون في السماء ذاتها، كأنهم يسألون السؤال نفسه عبر نصف قرن،  كيف تتحول الفصول إلى خطوط مواجهة؟ وكيف يصبح الطريق إلى المدرسة طريقًا إلى الغياب؟. 
الوجوه تختلف، الأسماء تتغير، لكن الصورة واحدة. مقاعد صغيرة، دفاتر مفتوحة، وأحلام مؤجلة إلى الأبد. بين بحر البقر وجنوب إيران خيطٌ غير مرئي يربط الحكايتين: الأطفال هم الحلقة الأضعف حين تتصارع الحسابات الثقيلة، وهم أول من يدفع ثمن الشعارات الكبرى.

الحروب تبدأ بخطابات عن الردع والرسائل والتوازنات، لكنها تنتهي غالبًا على مقاعد الدراسة. الكلفة الحقيقية لا تُقاس بعدد البيانات العسكرية، بل بعدد المقاعد الفارغة التي لن تعود إليها صاحباتها. في بحر البقر، بقيت الأسماء شاهدًا على أن الطفولة ليست هدفًا مشروعًا. وفي إيران اليوم، تنضم 51 زهرة جديدة إلى سجلٍ طويل من الضحايا الذين لم يختاروا أن يكونوا جزءًا من الصراع.
المشهدان ليسا حدثين منفصلين في كتاب التاريخ، بل صورة واحدة تتكرر بملامح مختلفة… كلما اشتعلت حرب، كانت الطفولة أول ما يحترق.




تم نسخ الرابط