محمد لاشين يكتب: عودة الروح إلى الوفد
محمد لاشين يكتب: عودة الروح إلى الوفد .

لم يكن ما مرّ به حزب الوفد مجرد تعثر سياسي عابر، بل كان انكسارًا مؤلمًا لتاريخٍ صنع وجدان أمة، وكتب فصولًا من النضال لا تُمحى من ذاكرة الوطن.
ما مرّ به حزب الوفد مجرد تعثر سياسي عابر، بل كان انكسارًا مؤلمًا لتاريخٍ صنع وجدان أمة، وكتب فصولًا من النضال لا تُمحى من ذاكرة الوطن.
علي مدار سنواتٍ عجاف، بدا حزب الوفد وكأنه قد انقطع عن نبض الشارع، وغابت عنه حرارة المواطن وهمومه، حتى صار أسير جدرانه الأربعة، حبيس قراراتٍ أضعفت حضوره، وقياداتٍ لم تُدرك قيمة الإرث الذي تحمله. في تلك الحقبة القاسية، لم يكن الوفد كما عرفناه، ولم يكن الوفديون كما عهدهم التاريخ؛ بل تشتت الصف، وخفت الصوت، حتى كاد الحزب يتحول إلى مجرد لافتة صامتة على جدار السياسة.
كيف لحزبٍ أنجب عظماء بحجم سعد زغلول، وواصل المسيرة بقيادات وطنية كـ مصطفى النحاس، واحتفظ بروحه النضالية في عهد فؤاد سراج الدين، أن يصل إلى هذا الحد من الغياب؟ سؤال ظل يتردد في وجدان كل وفدي أصيل، بل وفي ضمير كل مصري يعرف قيمة هذا الكيان.
لقد كنا – ولا نزال – نفخر بالانتماء إلى هذا الحزب العريق، وكان يكفينا أن نُعرّف أنفسنا بأننا وفديون، لنحظى بتقديرٍ واحترامٍ متجذرين في ذاكرة المجتمع. حتى إن كثيرًا من المسؤولين كانوا يعتزون بقولهم إن آباءهم نشأوا على مبادئ الوفد، وكأن الانتماء إليه شرفٌ تتوارثه الأجيال.
لكن، وكما يُقال، في الليلة الظلماء يُفتقد البدر. فقد تراجع الوفد بشكلٍ غير مقبول، على أيدي من غلّبوا المصالح الشخصية على المصلحة الوطنية، حتى باتت القلوب تنزف ألمًا على حال هذا الحزب الذي كان يومًا ضمير الأمة ولسانها.
وكأن التاريخ نفسه كان يصرخ، وكأن أصوات الزعماء تعلو من بين الصفحات: أين أنتم يا وفديون؟
إلى أن انقشعت الغمة، وجاءت لحظة فارقة تمثلت في انتخابات الحزب، التي أعادت الأمل إلى النفوس، حين تقدم السيد البدوي للقيادة، وفاز برئاسة الحزب، في مشهدٍ أعاد إلى الأذهان قدرة الوفد على النهوض من جديد.
لقد بدا الأمر وكأن شريان الحياة قد عاد ليتدفق في جسدٍ كاد أن يفقد كل مقومات البقاء، وكأن الأكسجين قد عاد يملأ رئة الحزب بعد حالةٍ من الاختناق السياسي. وخلال فترة وجيزة، بدأت ملامح التعافي تظهر، بما يؤكد أن الوفد لم يكن يومًا حزبًا عاديًا، بل كيانًا قادرًا على استعادة مكانته متى توفرت له القيادة والرؤية.
وربما لو أن من سبقوا إلى قيادة الحزب أدركوا قيمة هذه المسؤولية، وبذلوا ولو جزءًا يسيرًا مما بُذل لاحقًا، لما فقد الوفد مكانته في الشارع، ولا تراجعت هيبته بين الجماهير.
لكنها إرادة الله، وسنن الحياة التي لا تثبت على حال.
سيظل الوفد، رغم كل العثرات، فكرةً لا تموت، وتاريخًا لا يُمحى، ومدرسةً وطنيةً قادرة على أن تُنجب من جديد رجالًا يحملون رايته، ويعيدون له مكانته التي يستحقها. فالأحزاب قد تضعف، لكن المبادئ لا تموت… وما دام في هذا الوطن من يؤمن بفكر الوفد، فإن عودته ليست حلمًا، بل قدرٌ مؤجل ينتظر من يحققه.