الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي

أحمد حمدي يكتب مكانٌ في الصف… أم مكانةٌ عند الله؟

411
المواطن

أحمد حمدي يكتب مكانٌ في الصف… أم مكانةٌ عند الله؟

في ليلةٍ من ليالي شهر رمضان المباركة وتحديدا ليلة وترية، يرجى أن تكون ليلة القدر، حيث القلوب متعلقة بالرجاء، والأرواح تترقب نفحات ليلة القدر، دخل رجلٌ إلى المسجد بهدوء، فرأى مكانًا خاليًا في الصف الأول، فاتجه إليه ليصلي أو يجلس يذكر الله، لم تمضِ لحظات حتى جاء رجلٌ آخر، ينازعه المكان ذاته، بشيء من الشدة والجذب، وكأن الأمر معركة لا عبادة، مبررًا ذلك بأنه اعتاد الصلاة في هذا الموضع منذ سنوات.

والسؤال المطروح الآن

أيُّهما أقرب إلى الله حقًّا: أن تظفر بمكانٍ في الصف الأول ولو على حساب أخيك، أم أن تظفر بقلبٍ سليمٍ امتلأ رحمةً ورفقًا فتتنازل طوعًا طلبًا لمرضاة الله، وكيف يُطلب القرب من الله بأسلوبٍ يخلو من الرفق والمودة؟

بين العبادة والسلوك
هذا المشهد ليس مجرد موقف عابر، بل هو انعكاس لفجوةٍ بين ظاهر العبادة وحقيقتها. فالدين لم يُبنَ على الحركات فحسب، بل على القلوب وما تحمله من رفقٍ ولين.

وقد بيّن النبي محمد بن عبد الله أن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على غيره، في إشارةٍ إلى أن حسن الخلق قد يرفع صاحبه درجاتٍ لا يبلغها بكثرة العمل وحده.

فما قيمة الصف الأول إن كان الوصول إليه بإيذاء الآخرين؟ وما جدوى الركعات إن خلت من روح الرحمة، خاصة في ليلةٍ قد تكون خيرًا من ألف شهر؟

الإيثار… روح الإيمان
لو أن أحدهما آثر الآخر وترك له المكان ابتغاء مرضاة الله، لكان ذلك أقرب إلى روح الإسلام وأرجى للقبول.

فقد مدح الله أهل الإيثار في سورة الحشر بقوله: “ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة”.

الإيثار رفعةٌ في النفس، ودليلٌ على صفاء القلب.
وفي موقفٍ نبوي بديع، جلس عبد الله بن عباس عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، وكان على يساره كبار الصحابة، فاستأذنه النبي أن يعطيهم قبله، لكنه تمسك بحقه، فلم يُجبره النبي، بل احترم اختياره، في درسٍ يجمع بين العدل واللطف.

الرفق… تربية تُبنى منذ الصغر
أقترح—من خلال بوابة المواطن الإخبارية، هذه المنصة الإعلامية المرموقة—أن يتم تدريس خُلق الرفق والتدريب عليه منذ الصغر، وأن يُجعل له حضورٌ واضح في مناهج التعليم داخل المدارس والجامعات، لأنه من أهم القيم التي ينبغي أن يتحلى بها الإنسان، وخاصة المسلم.
فالطفل الذي يتعلم الرفق في الحضانة، ويتربى عليه في المدرسة، وينشأ عليه في بيته، يكبر وهو يحمل قلبًا رحيمًا وسلوكًا متزنًا. وما دام قد نشأ على الرفق منذ الصغر، فلن تجده يومًا يقسو على والديه، ولن تجده زوجًا غليظًا يؤذي زوجته، ولن تراه في عمله فظًّا مع زملائه، ولا متعاليًا بغلظة القول عليهم، بل لن يكون ذلك الأستاذ الجامعي الذي يسعى لإحراج الباحث أمام أسرته ومحبيه في لحظة مناقشة، وإنما سيكون إنسانًا سويًا، متزنًا، يقدّم الكلمة الطيبة، ويغلب الرحمة على القسوة، والمودة على الشدة.
أما إذا غاب هذا الخلق، ظهرت صور مؤلمة في المجتمع وهي مما لا يرضي الله في شهر رمضان ولا في غيره.

الرفق عادة تُكتسب كما تُكتسب المهارات
وفي المقابل، إذا نشأ الإنسان وهو لا يُبالي بالرياضة، ولا يدرك أهميتها، ولا يخصص لها وقتًا في يومه، فإنه إذا تقدّم به العمر لن يستطيع ممارستها بسهولة، لأنه لم يعتد عليها منذ الصغر. وكذلك الرفق؛ فهو ليس مجرد خُلقٍ عابر، بل مهارةٌ تحتاج إلى تدريبٍ مبكر.
فإذا تربّى الإنسان على الرفق، أصبح جزءًا من طبيعته، فلا يقسو بكلمة، ولا يغلظ في موقف، ولا يؤذي قريبًا أو بعيدًا، لا في بيته ولا في عمله ولا في المسجد. بل يكون لين الجانب، حسن المعشر، قريبًا من القلوب.
وهذا هو المنهج النبوي الذي أرشد إليه الإسلام، حيث يقول الله تعالى مخاطبًا نبيه محمد بن عبد الله:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ﴾

الرحمة طريق القبول
إن الله تعالى قد ينظر إلى قلبٍ امتلأ رحمة، وسلوكٍ تغلّف بالرفق، فيجعل من هذا العمل البسيط سببًا في قبول سائر الأعمال. فالعبرة ليست بكثرة العمل، بل بصدق القلب.

ونتذكر القصة المشهورة: رجلٌ رأى كلبًا في الصحراء يلهث من شدة العطش، فرقّ له قلبه، فسقاه الماء، فكان جزاؤه أن غفر الله له وأدخله الجنة. إذا كان هذا أجر الرفق بحيوان، فكيف بالرفق بالإنسان؟ وكيف لو صار الرفق أسلوب حياة في بيوتنا ومساجدنا وتعاملاتنا اليومية؟

في الواقع نحن بحاجة إلى أن نعيد للرفق مكانته في حياتنا، لا كخُلقٍ ثانوي، بل كجوهرٍ من جوهر الدين. فالمساجد ليست أماكن للتنافس القاسي، بل ميادين للرحمة وتزكية النفوس.
فلنجعل تعاملاتنا انعكاسًا لما نرجوه من الله: إن أردنا رحمته، فلنرحم بعضنا، وإن طمعنا في فضله، فلنُحسن إلى بعضنا. فربما كان موقفٌ بسيط—كأن تترك مكانك لغيرك، أو تلين في قولك—سببًا في قبول عملٍ عظيم، ونيل رحمةٍ واسعة من الله.

 

للمزيد حول بوابة المواطن الإخبارية اضغط هنا 




تم نسخ الرابط