الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
الشيخ  الراحل جابر
الشيخ الراحل جابر عبد الحميد و الكاتب الصحفي أحمد حمدي

في ليالي رمضان حين تمتلئ المساجد بخشوع المصلين  وتصفو القلوب في حضرة الذكر والقرآن تبقى بعض الكلمات حيّة لا تموت، حتى بعد أن يغيب قائلها عن الدنيا.

فالكلمات الصادقة التي تخرج من القلب لا تنتهي بانتهاء لحظتها بل تظل طريقها إلى القلوب مفتوحًا عبر الزمن تعود فتطرقها كلما تجددت مواسم الطاعة.

الشيخ  الراحل جابر عبد الحميد و الصحفي أحمد حمدي 
الشيخ  الراحل جابر عبد الحميد و الصحفي أحمد حمدي 


ومن تلك الكلمات المؤثرة ما حكاه الشيخ جابر عبد الحميد ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ في إحدى ليالي رمضان قبل وفاته داخل مسجد النصربالمعادي.

الشيخ  الراحل جابر عبد الحميد 
الشيخ  الراحل جابر عبد الحميد 

((والشئ بالشئ يُذكر ويُقال  ويُشار إليه))
كان الشيخ ـ رحمه الله ـ واحدًا من أعمدة المسجد ومن رجاله المخلصين، وقد ارتبط اسمه به لسنوات طويلة، ليس فقط إمامًا وخطيبًا وواعظًا، بل أيضًا من الذين كان لهم دور واضح في خدمة المسجد والمشاركة في توسعته، حتى صار المسجد شاهدًا على علمه ودعوته وكلماته التي أثرت في نفوس المصلين.

ومع أن الشيخ قد انتقل إلى رحمة الله فإن أثره ما زال حاضرًا بقوة في المسجد وفي قلوب رواده.

ففي هذا العام ١٤٤٧هجريا  من شهر رمضان وبين استراحات التراويح يحرص المصلون على الاستماع إلى مقاطع من دروسه القصيرة المسجلة في أعوام سابقة التي امتازت ببساطتها وصدقها وعمق تأثيرها.

كانت دروس الشيخ ـ رحمه الله ـ مزيجًا رائعًا يجمع بين الموعظة الحسنة، والمواقف الطيبة، والقصص المؤثرة  ويغرس في النفوس معاني الأخلاق الفاضلة والدعوة إلى الخير بأسلوب قريب من القلوب يفهمه العامة قبل الخاصة وتأنس به النفوس قبل العقول.

وحين تُشغَّل هذه المقاطع اليوم داخل المسجد بعد وفاته، يشعر المصلون وكأن صوته ما زال حاضرًا بينهم، يذكّرهم بالله كما كان يفعل في حياته. إنها لحظات يختلط فيها الحنين بالدعاء، والوفاء بالمحبة، تقديرًا لعالمٍ ترك أثرًا لا يُنسى في القلوب.

ولم يقف هذا الوفاء عند حدود الذكرى فحسب؛ فقد دشن المسجد في هذا العام مسابقة "الوحيين" إحياءً لذكرى الشيخ، وهي مسابقة لحفظ كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وشهدت إقبالًا كبيرًا من رواد المسجد، بل تسابق كثير منهم إلى المشاركة فيها حبًا في الخير الذي كان الشيخ يدعو إليه، ورغبةً في استمرار أثره في تعليم الناس القرآن والسنة.

 

وفي إحدى ليالي رمضان المباركة، حكى الشيخ موقفًا مؤثرًا حدث له أثناء طوافه حول الكعبة المشرفة في المسجد الحرام فقد اقترب منه رجل بسيط القلب، وطلب منه أن يعلمه دعاءً من أدعية النبي ﷺ ليُردده أثناء الطواف.

بدأ الشيخ يعلمه بعض الأدعية، لكن الرجل لم يستطع حفظها بسهولة. حاول أكثر من مرة، وكان كلما أعاد الشيخ الدعاء عليه قال إنه يخشى أن ينساه، ويريد دعاءً يستطيع أن يردده طوال الأشواط السبعة.

هنا سأله الشيخ:
"أنت نفسك في حاجات تطلبها من ربنا؟"
فأجاب الرجل:
"نعم… أنا جئت لأدعو الله بأشياء كثيرة."
فقال له الشيخ:
"طيب… قل: يا رب ما ليش غيرك."
كانت كلمات قليلة لكنها تختصر كل معنى التضرع والانكسار بين يدي الله. أخذ الشيخ بيد الرجل وبدآ الطواف معًا حول الكعبة، وكان الرجل يردد طوال الطواف:
"يا رب… ما ليش غيرك."
كانت كلمات صادقة خرجت من القلب، لا مجرد عبارات محفوظة، وقد أبدت صدى عميقًا في قلب الشيخ، فأبكته ورقت عيناه، لأنه شعر أن الدعاء خرج من صميم القلب.

 

" الذل والتضرع" لله في الدعاء باب عظيم من أبواب القبول بالإضافة إلى التركيز  وخروج الكلمات من القلب قبل أن تنطق بها الألسنة هو لُبُ الأمر  وعماده

ف ليس المهم طول الدعاء أو فصاحته، بل صدق القلب وانكساره بين يدي الله ..فالكلمة الصادقة حتى لو كانت قليلة، أعمق أثرًا من دعاء طويل لا يحضره القلب.

ربما يجد بعض الناس صعوبة في حفظ الكثير من الأدعية، أو ترديد العبارات الطويلة، لكن كل إنسان يستطيع أن يقف بين يدي الله بقلب صادق ويقول:
"يا رب… ما ليش غيرك."
هي كلمة تختصر كل معاني العبودية: افتقار، توكل، تسليم، ولجوء كامل إلى الله.


أثر الإنسان بعد رحيله
وأعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله من الدنيا ليس مالًا ولا متاعًا، وإنما الأثر الطيب في قلوب الناس. فالسعيد من يغيب عن الدنيا، وتبقى سيرته حيّة في القلوب، يتذكر الناس مواقفه الحسنة ويحيون ذكراه بالخير والدعاء والعمل الصالح.
قال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾
فالآثار الطيبة تبقى بعد الإنسان، من علمٍ علمه، أو كلمة صادقة، أو دعوة صالحة، لتظل في ميزان حسناته بعد رحيله. وكان من دعاء نبي الله إبراهيم:
﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾
أي اجعل لي ذكرًا حسنًا بين الناس بعد رحيلي، وثناءً طيبًا يتناقله الناس جيلاً بعد جيل.
ولعل هذا المعنى يتجلى اليوم حين يُذكر الشيخ جابر عبد الحميد بالخير، وتُسمع كلماته، ويتسابق الناس إلى أعمال الخير التي كان يدعو إليها، وكأن أثره ما زال حيًا بينهم، وكأن صوته ما زال يتردد في أرجاء مسجد النصر حتى اللحظة.

كما ترك الشيخ جابر عبد الحميد أثرًا خالدًا في قلوب رواد مسجد النصر، نجد هذا المبدأ حاضرًا أيضًا عند العلماء عبر التاريخ، مثل العالم الجليل الليث بن سعد من مدينة الفسطاط. لقد عرف الليث بن سعد بعلو مكانته العلمية وصدق نقله للعلم، حتى قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: "كان أعلم أهل زمانه".
رغم أن بعض تلامذته لم يهتموا بعلمه ولم يدونوّه كما فعل تلامذة غيره من العلماء والفقهاء، إلا أن الله جند له بعد حين من الزمن من يتحدثون عن مكانته وعلمه وسعيه للخير طوال حياته. وهذا دليل على إخلاصه وصدق الرجل ووفائه لرسالته، وأن أثر الإنسان الصادق لا يضيع مهما غاب، وأنه من بركات الله أن يظل العلم النافع حيًا ويُتذكر عبر الأجيال.
وقد خلدت وزارة الأوقاف هذا العالم الجليل في برنامجها الرمضاني لعام 2026، الذي قدمه الدكتور أسامة الأزهري، حيث تناول حلقاته مكانة الليث بن سعد العلمية، سيرته الطيبة، وحب الناس له، وأثره الممتد في نفوس من عرفوه أو استفادوا من علمه. كما جسدت الوزارة هذا التكريم العملي بإنشاء مسجد باسمه، ليبقى اسمه وعلمه حيًا في الأرض، ويستمر أثره الطيب بين الأجيال القادمة.
وهنا يظهر درس مهم لكل إنسان: السعي لترك أثر طيب في حياة الآخرين، والعمل على أن تكون سيرته بعد وفاته نورًا يُستفاد منه، تمامًا كما ترك الشيخ جابر عبد الحميد أثره في قلوب رواد مسجد النصر، واستمر علم الليث بن سعد عبر القرون، ليكون مثالًا حيًا على قيمة الأثر الطيب الذي يخلده الله للإنسان بعد رحيله. قال الله تعالى:
﴿فَأَمَّا الزُّبْدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾
فالإنسان النافع، الذي يعمل للخير ويترك أثرًا نافعًا، يظل حيًا بذكراه بين الناس، ويستمر صيته وعلمه، ويعيش عبر كل من استفاد منه، مثلما يستمر أثر الشيخ جابر عبد الحميد وعلم الليث بن سعد في نفوس الناس حتى اليوم.


لقد كان الشيخ جابر عبد الحميد بركة حقيقية؛ حمل القرآن في صدره، وعاش مستمسكًا بأخلاقه وتعاليمه حتى توفي، تاركًا أثرًا طيبًا في نفوس الناس، ما زالوا يستمعون إليه ويستعيدون دروسه ومواعظه، كأنه حي بينهم.. "حقاً  رُفعت بركة المعادي… وبقي أثرها"




تم نسخ الرابط