الخميس 04 يونيو 2026 الموافق 18 ذو الحجة 1447
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي
المواطن المواطن
رئيس مجلسي
الإدارة والتحرير
جابر المهدي

عماد السعدني يَكتُب: الكاميرا لا تكذب .. ولكنها تتجمّل !

384
الصحفي عماد السعدني
الصحفي عماد السعدني

عماد السعدني يَكتُب: الكاميرا لا تكذب .. ولكنها تتجمّل !

الصحفي عماد السعدني 
الصحفي عماد السعدني 

في ثالث أيام عيد الفطر المبارك ومع كركبة معدتي التي واجهت الكثير من المأكولات والمشروبات العبثية ؛ ذهبت إلى مقعدي المُفضل مُفكرًا في الأحداث والعالم من حولنا ونحن نُشاهد بصور مختلفة ؛ فكُلٍ منّا يرى من زاويته ! .

فأصبحت الصورة هي الكلمة العُليا ، لم تعُد الحقيقة تُروى بالكلمات فقط ؛ بل تُصاغ بعدسةٍ قد تختار ما تُظهره ؛ وتتجاهل ما لا يخدم الرواية ؛ لقد قيل قديمًا إن "الكاميرا لا تكذب" لكن الواقع اليوم يفرض علينا إضافة جملة أكثر دقة: الكاميرا لا تكذب .. ولكنها تتجمل ! .

فالصورة: رغم صدقها الظاهري ، ليست دائمًا إنعكاسًا كاملاً للحقيقة ؛ بل هي جزءٌ منها ، زاويةٌ منتقاة بعناية ، وإطارٌ تم قصّه بعمد أو بغير عمد ؛  فالمصور لا ينقل الواقع كما هو ؛ بل يختار لحظةً بعينها ، ويُسلّط الضوء على مشهد دون آخر ،  فيصنع بذلك قصة قد تكون مُختلفة تمامًا عمَّ حدث خارج حدود العدسة ! .

ففي الواقع لا نحتاج إلى البحث طويلًا لنفهم هذه الفكرة ؛ فكم مرة شاهدنا مقطع فيديو لمشاجرة في الشارع ، يبدأ بلقطة إعتداء من شخص ، فيُحكم عليه فورًا بأنه المُعتدي والجاني  ، حين يظهر لاحقًا مقطع آخر يكشف أنه كان في موضع الدفاع عن النفس ؟! وكم من صورة تم تداولها على مواقع التواصل تُظهر طوابير أو فوضى ؛ فيتم تفسيرها على أنها فشل أو أزمة ، بينما تكون في حقيقتها لحظة إستثنائية ، أو زاوية ضيقة لمشهد أكبر وأكثر تنظيمًا  ! .

وهُناك بعض المشاهد اليومية تُقتطع من سياقها لتصنع رأيًا عامًا مضللًا ؛ موظف يبدو مهملاً في لقطة عابرة ؛ أو مواطن يُظهره الفيديو في موقف سلبي ؛ دون أن نرى ما سبقه من ضغوط أو ظروف ؛ وهذا لا تكذب الكاميرا ، لكنها لا تقول الحقيقة كاملة ! .

لقد أصبحت الكاميرا أداة تأثير لا تقل خطورة عن الكلمة ، بل قد تتفوق عليها في كثير من الأحيان ؛ صورة واحدة يمكن أن تُشعل الرأي العام ؛ أو تُبرّيء مذنبًا ؛ أو تُدين بريئًا ؛ ومع سرعة النشر ، لم يعد هُناك وقت للتفكير ؛ بل لصدور الحكم فقط ! .

والأخطر من الكاميرا عزيزي القاريء هو أننا أصبحنا نُشبهها ؛في علاقاتنا الإنسانية ، نتصرف أحيانًا كما تفعل العدسة ؛؛ نختار ما نُظهره من أنفسنا ، ونُخفي ما لا نُريد للآخرين رؤيته ؛ نعرض أفضل زوايانا ؛ نُجمّل أخطاءنا ؛ ونُسلّط الضوء على مواقف تخدم صورتنا أمام الآخرين ! .

ففي الحُب ، قد نظهر الإهتمام ونخفي الفتور ؛ في الصداقة ، نُظهر الوفاء ونُخفي التقصير ؛  وفي الخلافات ، نروي قصتنا من زاوية واحدة ، تجعلنا دائمًا على صواب ؛ بل ونفعل ما هو أخطر نحكم على الآخرين كما نحكم على الصور: بلقطة واحدة ؛بكلمة واحدة ؛ بموقف واحد ؛ دون أن نرى بقية المشهد ! .

وهكذا تحولت العلاقات إلى "صور مُجمّلة" لا تعكس حقيقتها الكاملة ؛ فينهار كثير منها عندما تظهر الزوايا المخفية ؛ إن الكاميرا في نهاية المطاف ، ليست سوى أداة ؛ لكنها كشفت لنا شيئًا أعمق: أن الحقيقة ليست دائمًا ما نراه ، وأن الصدق لا يُكمن في الصورة وحدها ، بل في ما وراءها ! .

لذلك الأمر قبل أن نحكم على صورة أو على إنسان ، علينا أن نسأل: هل هذه هي الحقيقة كاملة ؟! أم مُجرد زاوية جيدة الإلتقاط ؟! هل هذا سيء كما يُردد الآخرون ام هُناك رواية أُخرى ، وللحديث بقية .




تم نسخ الرابط