د. محمود الجابري: الثقة بالنفس لا تُولد داخل الملعب فقط.. بل تبدأ من الأسرة ويصقلها المدرب
في عالم كرة القدم، قد يظن البعض أن مهمة المدرب تقتصر على تعليم المهارات الفنية والخطط التكتيكية، إلا أن الواقع يؤكد أن دوره أكبر وأعمق من ذلك بكثير. فالمدرب هو القائد التربوي الذي يساهم في تشكيل شخصية اللاعب، ويغرس فيه قيم الانضباط والالتزام والعمل الجماعي، ويزرع داخله الثقة بالنفس والطموح والإصرار على النجاح.
وتعد المراحل السنية الصغيرة من أهم الفترات التي تتكون خلالها شخصية اللاعب، حيث يحتاج الطفل إلى بيئة آمنة تمنحه الفرصة للتعلم دون خوف من الخطأ، وتشجعه على الإبداع والمحاولة المستمرة. وهنا يظهر دور المدرب الحقيقي، الذي لا يقيس نجاحه بعدد الانتصارات فقط، بل بعدد اللاعبين الذين ساهم في بناء شخصياتهم وإعدادهم للحياة قبل المنافسة.
ومن جهة أخرى، يمثل ولي الأمر الركيزة الأساسية في رحلة اللاعب الرياضية، فهو الشريك الأول للمدرب في صناعة النجاح. فالدعم النفسي والتشجيع المستمر، والابتعاد عن النقد القاسي أو المقارنات بالآخرين، يمنحان اللاعب شعورًا بالأمان والثقة، ويزيدان من قدرته على مواجهة التحديات والاستمرار في التطور.
إن كثيرًا من المواهب الواعدة تتراجع بسبب الضغوط النفسية، وليس بسبب ضعف الإمكانات الفنية. لذلك فإن الكلمات الإيجابية، والاحتواء بعد الخسارة، والاحتفال بالتقدم مهما كان بسيطًا، تمثل عوامل أساسية في بناء شخصية رياضية متوازنة قادرة على تحقيق الإنجاز.
ولا شك أن تحقيق الذات لدى اللاعب لا يرتبط فقط بالفوز بالمباريات أو الحصول على البطولات، بل يبدأ عندما يشعر بأنه يتطور باستمرار، ويكتسب مهارات جديدة، ويثق في قدراته، ويستمتع بما يقدمه داخل الملعب. فالرياضة في جوهرها مدرسة للحياة، تعلم الصبر والانضباط وتحمل المسؤولية واحترام الآخرين.
ومن هنا، فإن العلاقة القائمة على الثقة والاحترام والتواصل المستمر بين المدرب وولي الأمر تمثل حجر الأساس في إعداد جيل من الرياضيين يمتلكون الموهبة والأخلاق والثقة بالنفس. وعندما تتوحد أهداف الأسرة مع أهداف المدرب، تصبح رحلة اللاعب أكثر استقرارًا ونجاحًا، ويزداد احتمال وصوله إلى أعلى المستويات الرياضية والإنسانية.
وفي الختام، فإن رسالتي إلى كل مدرب هي أن يكون قدوة ومربيًا قبل أن يكون معلمًا، ورسالتي إلى كل ولي أمر أن يكون الداعم الأول لابنه في جميع الظروف، وأن يدرك أن بناء الإنسان يسبق صناعة البطل، وأن الثقة بالنفس هي أعظم هدية يمكن أن نقدمها لأبنائنا.



