بين " الناتو العربي "وصراع الرؤى الأمريكية: هل تدفع المنطقة ثمن غياب المظلة الموحدة؟
لم تكن التحذيرات المصرية في قمة الدوحة عام 2025 مجرد تقديرات سياسية عابرة، بل بدت اليوم وكأنها قراءة مبكرة لما يحدث في المنطقة خلال مارس 2026. فقبل أشهر قليلة فقط، كان القادة العرب يناقشون فكرة إنشاء نظام دفاعي عربي مشترك، لكن الخلافات حول جدوى هذه الخطوة حالت دون التوافق عليها، واليوم مع سقوط الصواريخ الباليستية الإيرانية على أهداف في المنطقة، يبدو أن ما تعثرت فيه السياسة أمس، تفرضه الجغرافيا اليوم كحقيقة مكلفة.
بدأت فكرة إنشاء جيش عربي موحد في الأساس كمبادرة مصرية طُرحت في قمة شرم الشيخ عام 2015، وكان الهدف منها مواجهة التهديدات الإرهابية المتصاعدة في ذلك الوقت. لكن المشروع لم يتحول إلى واقع بسبب اختلاف أولويات الدول العربية وتباين رؤاها الأمنية، وبعد سنوات عادت الفكرة إلى الواجهة مرة أخرى في قمة الدوحة 2025، هذه المرة في صورة مقترح لإنشاء قوة دفاعية عربية تشبه حلف شمال الأطلسي، أو ما سُمّي إعلامياً بالناتو العربى، ومع ذلك، اصطدم المشروع مجدداً بتحفظات بعض الدول التي فضلت الاعتماد على تحالفات محدودة أو على المظلة الأمنية الدولية.
والأحداث الأخيرة كشفت بوضوح حجم الفراغ الذي تركه غياب هذا التعاون الدفاعي العربي، فالضربات التي استهدفت قواعد عسكرية في المنطقة، مثل قاعدة الظفرة وقاعدة علي السالم، إضافة إلى التوتر الذي طال وجود الأسطول الخامس، تعكس أن المنطقة أصبحت ساحة مفتوحة لصراع القوى الكبرى، وقد أظهرت التطورات التي تلت أحداث 28 فبراير، والتي وُصفت إعلامياً بملحمة الغضب، أن الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية لم يمنع انتقال الصراع إلى الأراضي العربية نفسها.
في ظل هذا التصعيد يبرز سؤال مهم، ما هي الاستراتيجية التي تحكم المواجهة الحالية مع إيران؟
هنا يمكن ملاحظة وجود مدرستين واضحتين في التفكير الاستراتيجي الأمريكي.
الأولى هي رؤية المفكر الأمريكي جون ميرشايمر، التي تنطلق من منطق الواقعية في العلاقات الدولية.
ووفق هذا المنظور، فإن الهدف الأساسي من الضغط العسكري على إيران هو تقليص قدرتها على فرض هيمنة إقليمية، أي أن التركيز يكون على إضعاف قدراتها العسكرية والنووية بشكل مباشر، دون الدخول كثيراً في تعقيدات الصراع الأيديولوجي.
أما الرؤية الثانية فتُربط غالباً بوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس، والتي طرحت فكرة الشرق الأوسط الجديد، وهذه المقاربة لا تقتصر على المواجهة العسكرية التقليدية، بل تعتمد أيضاً على تفكيك التوازنات الداخلية للدول المنافسة.
وفي هذا السياق برز ما يُعرف باستراتيجية الأطراف، التي تقوم على استثمار التوترات العرقية داخل إيران، مثل الملف الكردي أو البلوشي أو قضية عرب الأهواز، بهدف خلق ضغوط داخلية تستنزف النظام من الداخل.
وبين هاتين المقاربتين تجد المنطقة نفسها اليوم في وضع شديد التعقيد، فالتصعيد العسكري إلى جانب تهديد طرق التجارة العالمية في البحر الأحمر، يضع الشرق الأوسط أمام احتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع نطاقاً، كما أن أي اضطراب كبير داخل إيران قد يفتح الباب أمام سيناريو خطير يتمثل في انتشار الميليشيات وتفكك مراكز السلطة، وهو السيناريو الذي كانت فكرة القوة العربية المشتركة تحاول في الأصل تجنبه.
في المقابل تواجه الولايات المتحدة معضلة واضحة، فالدعم القوي لإسرائيل، كما يشير بعض منظري الواقعية السياسية، لا تحكمه دائماً اعتبارات توازن القوى وحدها، بل تتداخل معه أيضاً حسابات السياسة الداخلية الأمريكية وضغوط جماعات الضغط. ومع اتساع رقعة الصراع، قد يؤدي ذلك إلى تراجع قدرة واشنطن على الحفاظ على صورتها كقوة ضامنة للاستقرار الدولي.
في النهاية يبدو أن النقاش الذي دار حول فكرة الناتو العربي في عام 2025 لم يُحسم فعلياً، بل تأجل فقط، ولكن ما يحدث في عام 2026 قد يعيد طرح السؤال نفسه بصورة أكثر إلحاحاً:
هل تدفع هذه التطورات الدول العربية نحو بناء منظومة أمنية مشتركة لحماية مصالحها، أم أن المنطقة ستظل ساحة مفتوحة لصراعات القوى الكبرى؟
للمزيد حول بوابة المواطن الإخبارية اضغط هنا
- الناتو العربي
- صراع الرؤى الأمريكية
- التحذيرات المصرية
- قمة الدوحة
- القادة العرب
- الصواريخ الباليستية الإيرانية
- قمة شرم الشيخ
- التهديدات الإرهابية
- بوابة المواطن الإخبارية
- قمة الدوحة 2025
- حلف شمال الأطلسي
- المظلة الأمنية الدولية
- الأسطول الخامس
- ملحمة الغضب
- الأراضى العربية
- الحماية الأمريكية
- التفكير الاستراتيجي الأمريكي
- المفكر الأمريكي جون ميرشايمر
- ايران
- الشرق الأوسط